وتكملة ما سبق أيضاً ما يأتي:
حفصة فأذاعته إلى عائشة. وفي بعض الروايات أن ذلك كان في يوم عائشة، وغير بعيد هذا القول لان النبي (ص) كان قد خصص لكل واحدة من زوجاته يوما وليلة، أما السرية فلم يكن لها يوم مخصوص ليقضي معها الرسول (ص) فلابد أنه كان يطؤها في يوم بعض أزواجه، ولما صادف ذلك في بيت حفصة ويوم عائشة، وكانتا متصافيتين فيما بينهما متظاهرتين على غيرهما، راجعتا النبي (ص) بذلك بشدة فحرم النبي (ص) السرية على نفسه، كل ذلك جائز والعقل يستسيغه. ويؤيد ذلك أن النبي (ص) لما هجرهن تسعا وعشرين ليلة مكث في العلية التي كان أسكنها مارية، والتي كيت بعد ذلك بمشربة أم إبراهيم يومين، كل ذلك جائز. وأما أنه كيف كان تظاهرهما الذي ذكره القرآن حين قال: (وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه...) ؟ وما هو الأمر الذي أعرض عن ذكره الرسول (ص) تكرما ؟ فلا نطمتن إلى شئ مما حدثته الرواة في ذلك، فإن كان الرسول أعرض عن ذكره تكرما ولم يجبههم به، وأنهما ومن كان معهما لم يحدثوا ذلك لأحد فمن أين عرفه الرواة ؟ فقد وجدنا الخليفة عمر وأم المؤمنين عائشة لم يريا من الحكمة بيان ذلك في ما حدثوا عنه. أما ما قاله الرواة في ذلك فقد رووا عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى: (وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا...). قال: اطلعت حفصة على النبي (ص) مع أم إبراهيم فقال: " لا تخبري عائشة " وقال لها: " إن أباك وأباها سيملكان أو سيليان بعدي فلا تخبري عائشة ". قال: فانطلقت حفصة فأخبرت عائشة، فأظهره الله عليه فعرف بعضه
---
وأعرض عن بعض... (فلما نبأت به) أي أخبرت به عائشة لمصافاة كانت بينهما، وكانتا متظاهرتين على نساء النبي (ص) (وأظهره الله عليه) أي أطلعه الله عليه ومعنى (عرف بعضه وأعرض عن بعض، عرف حفصة بعض ما أوحي إليه وأعرض عن بعض تكرما (1). عن الضحاك في قوله: (يا أيها النبي لم تحرم) كانت لرسول الله (ص) فتاة فغشيها فبصرت به حفصة، وكان اليوم عائشة وكانتا متظاهرتين، فقال رسول الله (ص): " اكتمي علي ولا تذكري لعائشة ما رأيت " فذكرت حفصة لعائشة فغضبت عائشة فلم تزل بنبي الله (ص) حتى حلف أن لا يقربها أبدا فأنزل الله هذه الآية، وأمره أن يكفر يمينه ويأتي جاريته (2). عن ابن عباس قوله: (يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك) إلى قوله: (وهو العليم الحكيم) قال: كانت عائشة وحفصة متحابتين، وكانتا زوجتي النبي (ص)، فذهبت حفصة إلى أبيها فتحدثت عنده، فأرسل النبي (ص) إلى جاريته فظلت معه في بيت حفصة، وكان اليوم الذي يأتي فيه عائشة، فرجعت حفصة فوجدتهما في بيتها فجعلت تنتظر خروجهما وغارت غيرة شديدة فأخرج رسول الله (ص) جاريته، ودخلت حفصة فقالت: قد رأيت من كان عندك، والله لقد سؤتني فقال النبي (ص): لارضينك فإني مسر اليك سرا فاحفظيه قالت: ما هو ؟ قال: إني أشهدك أن سريتي هذه علي حرام رضا لك... (3) الحديث. عن ابن عباس قال: قلت لعمر بن الخطاب من المرأتان اللتان تظاهرتا ؟ * 0 هامش) * (1) راجع: تفسير القرطبي ج 18 / 186 - 187 في تفسير (التحريم) والسيوطي في الدر المنثور ج 6 / 241. (2) تفسير الطبري ج 28 / 102، تفسير سورة التحريم. (3) تفسير الطبري ج 28 / 101 تفسير سورة التحريم والسيوطي ج 6 / 239.
---
قال: عائشة وحفصة ؟ وكان بدء الحديث في شأن مارية أم إبراهيم القبطية، أصابها النبي (ص) في بيت حفصة في يومها فوجدت حفصة فقالت: يا نبي الله لقد جئت إلي شيئا ما جئته إلى أحد من أزواجك في يومي وفي دوري وعلى فراشي قال: ألا ترضين أن احرمها فلا أقربها ؟ قالت: بلى، فحرمها وقال: لا تذكري ذلك لأحد، فذكرته لعائشة فاظهره الله عزوجل عليه فأنزل الله: (يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك) الآيات كلها، فبلغنا أن رسول الله (ص) كفر عن يمينه وأصاب جاريته (1). وفي تفسير سورة التحريم من القرطبي (2). روى الدارقطني عن ابن عباس، عن عمر: دخل رسول الله (ص) بأم ولده مارية في بيت حفصة، فوجدته حفصة معها - وكانت حفصة غابت إلى بيت أبيها - فقالت له: تدخلها بيتي ! ما صنعت بي هذا من بين نسائك إلا من هواني عليك، فقال لها: " لا تذكري هذا لعائشة فهي علي حرام إن قربتها " قالت حفصة: وكيف تحرم عليك وهي جاريتك ؟ فحلف لها ألا يقربها، فقال النبي (ص): " لا تذكريه لأحد " فذكرته لعائشة فآلى لا يدخل على نسائه شهرا فاعتزلهن تسعا وعشرين ليلة، فأنزل الله عزوجل: (لم تحرم ما احل الله لك) الآية. وفي رواية ابن عباس بكنز العمال: حتى إذا كان يوم حفصة قالت: يا رسول الله إن لي حاجة إلى أبي فأذن لي آيته، فأذن لها، ثم أرسل إلى مارية جاريته فأدخلها بيت حفصة، فوقع عليها، فقالكت حفصة: فوجدت الباب مغلقا
---
(1) كنز العمال ج 2 / 332 - 339 من تفسير سورة التحريم والحديث (1786)، والدر المنثور للسيوطي ج 6 / 239 والطبري في تفسير سورة التحريم ج 28 / 102. (2) تفسير القرطبي ج 18 / 178 تفسير سورة التحريم. (*)
---
فجلست عند الباب فخرج رسول الله (ص) وهو فزع ووجهه يقطر عرقا وحفصة تبكي، فقال: " ما يبكيك " ؟ قالت: إنما أذنت لي من أجل هذا ؟ أدخلت أمتك بيتي، ثم وقعت عليها على فراشي، ما كنت تصنع هذا بامرأة منهن، أما والله لا يحل لك هذا يا رسول الله ! فقال: " والله ما صدقت، اليس هي جاريتي وقد أحلها الله لي ؟ أشهدك أنها علي حرام ألتمس رضاك، لا تخبري بهذا امرأة منهن، فهي عندك أمانة " فلما خرج رسول الله (ص) قرعت حفصة الجدار الذي بينها وبين عائشة، فقالت: ألا ابشرك أن رسول الله (ص) قد حرم عليه أمته، وقد أراحنا الله تعالى منها، فأنزل الله.... الديث (1). عن زيد بن أسلم (2) أن رسول الله (ص) أصاب أم ولده إبراهيم في بيت بعض نسائه قال: فقالت: أي رسول الله في بيتي وعلى فراشي ! فجعلها عليه حراما. فقالت: يا رسول الله كيف تحرم عليك الحلال ؟ فحلف لما بالله لا يصيبها فأنزل الله عزوجل: (يا أيها النبي...) الاية. قال زيد: فقوله: انت علي حرام لغو (3). قال ابن زيد في قوله: (يا أيها النبي لم تحرم) قال: إنه وجدت امرأة من نساء رسول الله (ص) ورسول الله مع جاريته في بيتها، فقالت: يا رسول الله أني
---
(1) كنز العمال ج 2 / 535 - 537 ط. مؤسسة الرسالة في تفسير سورة التحريم وج 2 / 340 - 341 ط. حيدر آباد. (2) الطبري في تفسيره ج 28 / 100 تفسير سورة التحريم. (3) وهناك 14 حديثا في الباب أنها نزلت في تحريم الجارية، راجع تفسير الطبري ج 28 / 100 - 101.
---
[90]
كان هذا الأمر، وكنت أهونهن عليك ؟ فقال لها رسول الله (ص): " اسكتي لا تذكري هذا لأحد، هي علي حرام إن قربتها بعد هذا أبدا "، فقالت: يا رسول الله وكيف تحرم عليك ما أحل الله لك حين تقول: هي علي حرام أبدا ؟ فقال: " والله لا أتيها أبدا... " الحديث.
---
خلاصة بحثي التحريم والتخيير ونتيجتهما أ - قصة التحريم: نزلت سورة التحريم في شأن امي المؤمنين عائشة وحفصة بسبب ان رسول الله (صى) أصاب جاريته مارية في يوم عائشة وبيت حفصة فتألمت حفصة من ذلك فحرم الرسول (ص) مارية على نفسه تطييبا لخاطرها، واستكتمها الخبر فأنبأت أم المؤمنين عائشة بذلك وتظاهرتا على رسول الله (ص) فانبأه الله على ما تظاهرتا عليه، فأنبأ الرسول حفصة ببعض ما تظاهرتا عليه واعرض عن ذكر بعض ما انبأه الله لها تكرما، ثم خاطبهما الله وقال: (ان تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكا وان تظاهرا عليه فان الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير) ثم تهديد بالتطليق في الدنيا وبعد ذلك تهديد بعذاب الآخرة، ودعوة ثانية لعامة المؤمنين بالتوبة النصوح اي الخالصة من التردد وبتخويف وتهديد بعذاب الآخرة، وذكر لحال النبي (ص) والذين آمنوا معه يومذاك، ثم ضرب مثلا بسوء عاقبة زوجتي رسولين خانتا زوجيهما في مقابل حسن عاقبة مؤمنتين. * * * كان ذلكم خلاصة ما جاء في سورة التحريم، واجمعت الروايات وتواترت عن غير أم المؤمنين عائشة ان المتظاهرتين على رسول الله (ص) هما أم المؤمنين عائشة وأم المؤمنين حفصة. واختلفت روايات أم المؤمنين عائشة في ذكر
---
المتظاهرة الثانية معها، وذكرت ان الذي حرمه الرسول (ص) على نفسه هو العسل، ولا يليق بعظمة الباري جل اسمه وحكمته ان يجيش لهذا الأمر ملائكته وصالح المؤمنين. ولا يتفق محتوى الآيات والتنصيص على ان المظاهرتين كانتا اثنتين مع رواية الخليفة عمر بأن الرسول (ص) طلق جميع أزواجه بسبب مطالبتهن الرسول (ص) بأكثر مما يتيسر له من النفقة، وانما يناسب ذلك آيات التخيير التي أمر الله جل اسمه رسوله (ص) أن يخير أزواجه بين أن يمتعهن ويسرحهن سراحا جميلا. إن أردن الدنيا وزينتها وبين أن يخترن الله ورسوله والدار الآخرة التي أعد للمحسنات منهن فيها أجرا عظيما. ب - قصة التخيير: نعرف حقيقة قصة التخيير مما ذكره الصحابي جابر في الأمر أن الرسول (ص) لم يحفر لصلاة الجاعة في مسجده يوما وليلة وان الخليفة عمر استأذن النبي (ص) فدخل وأخبره النبي بان ازواجه يطالبنه من النفقة ما ليس عنده، وانه وأبا بكر طلبا من ابنتيهما أن لا تطالبا الرسول (ص) ما لا يتيسر له انفاقه عليهما، وبعدها يخاطبان سائر أزواج الرسول (ص) بذلك فجابهتهما أم سلمة بقولها: ما لكما ولما هاهنا رسول الله (ص) أعلى بامرنا... الحديث. فأنزل الله تعالى في هذا الشأن قوله الكريم: (يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين امتعكن واسرحكن سراحا جميلا - يعني متعة الطلاق - وان كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة...) الاية. فبدأ بعائشة فقال: إن الله أمرني أن أخيركن بين أن تخترن الله ورسوله والدار الاخرة وبين أن تخترن الدنيا وزينتها وقد بدأت بك فانا اخيرك فقالت: فاني اختار الله ورسوله والدار
---
الاخرة اكتم علي ولا تخبر بذلك نساءك قال: " بل اخبرهن " واخبرهن واخترن جميعا الله ورسوله والدار الآخرة، ولا يمتد زمان هذه الواقعة أكثر من يوم وليلة، ولم يشتهر فيها انه طلق نساءه فيما وانما الطلاق يناسب شأن المتظاهرتين عليه، وفيها قال الله تعالى: (عسى ربه ان طلقكن ان يبدله أزواجا خيرا منكن...) فحلف الرسول (ص) أن لا يدخل عليهما شهرا تأديبا لهما، ولعله كان يذهب في نوبتهما إلى مشربة مارية. ولما تم تسع وعشرون ليلة دخل في نوبتهما في بيتيهما وكان غاية الدعاية في خلط القصتين في بعض الروايات الدفاع عن حرمة أم المؤمنين عائشة وأم المؤمنين حفصة.
---

