الإنصاف عند المحدثين في جرح الرواة

آخـــر الــمــواضــيــع

مواقع شقيقة
موقع عدة طالب العلم منتديات الدفاع عن السنة مهتدون(لماذا تركنا التشيع) منتديات قناة وصال
بث قناة وصال الفضائية شبكة ومنتديات المنهج موقع القادسية موقع فيصل نور
موقع كسر الصنم منتديات النُصرة الإسلامية منتديات ملتقى السنة منتدى مسلم أون لاين
منتديات الدفاع عن الصحابة منتديات العمامة جامعة المدينة العالمية منتديات شقائق النعمان
منتدى الصحب والآل منتدى شواطئ التائبين منتديات شمس الاسلام أحباب الله
موقع النور منتديات روضة القرآن شبكة رحماء الإسلامية شبكة ربيع الفردوس
شبكة الدفاع عن الصحابة على يوتيوب شبكة الدفاع عن الصحابة على يوتيوبشبكة الدفاع عن الصحابة على فيس بوك   شبكة الدفاع عن الصحابة على تويتر

الإنصاف عند المحدثين في جرح الرواة

النتائج 1 إلى 7 من 7

الموضوع: الإنصاف عند المحدثين في جرح الرواة

  1. #1
    ::ناصرة السنة::
    الحالة : آملة البغدادية غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 3708
    تاريخ التسجيل : Nov 2008
    المشاركات : 3,847
    المذهب : سنيه
    التقييم : 33

     

     

    Icon41 الإنصاف عند المحدثين في جرح الرواة


    الإنصاف عند المحدثين في جرح الرواة
    د. عبد الرحمن بن أبراهيم الخميسي
    المبحث الرابع
    عدم قبول الجرح إذا كان صادراً عن جهل أو هوى أو ضعف أو تعب أو اختلاف العقيدة
    أو كان مبهماً ونحو ذلك


    وهذا الأمر عند المحدثين شبه مجمع عليه ويدل دلالة بينة على ورعهم وصيانتهم وإنصافهم، وهذا مقتضى العقل والعدل الذي قامت عليه السموات والأرض لأن بواعثه المذكورة ليست علمية ولا شرعية فلأجل ذلك اقتضى العقل والشرع رده وعدم قبوله ، وممن نص على ذلك من الأئمة الخطيب البغدادي، وابن الصلاح، وابن دقيق العيد، والذهبي، والعراقي، وابن حجر، وغيرهم ، قال الخطيب في باب القول في الجرح هل يحتاج إلى كشف أم لا؟ نقلاً عن القاضي أبي بكر محمد بن الطيب ابن الباقلاني (ت403هـ ) قال: قال الجمهور من أهل العلم: إذا جرّح من لا يعرف يجب الكشف عن ذلك، ولم يوجبوا ذلك على أهل العلم بهذا الشأن قال الخطيب : والذي يقوي عندنا ترك الكشف عن ذلك إذا كان الجارح عالماً ، والدليل عليه نفس ما دللنا به على أنه لا يجب استفسار العدل عما به صار عنده المزكى عدلاً لأننا متى استفسرنا الجارح لغيره فإنما يجب علينا بسوء الظن ، والاتهام له بالجهل بما يصير به المجروح مجروحاً وذلك ينقض جملة ما بينا عليه أمره من الرضا به والرجوع إليه ، ولا يجب كشف ما به صار مجروحاً وذلك ينقض جملة ما بينا عليه أمره من الرضا به والرجوع إليه ، ولا يجب كشف ما به صار مجروحاً وإن اختلفت آراء الناس فيما به يصير المجروح مجروحاً كما لا يجب كشف ذلك في العقود والحقوق وإن اختلف في كثير منها فالطريق في ذلك واحد ، فأما إذا كان الجارح عامِيّاً وجب لا محالة استفساره([1]).

    ([1]) انظر : الخطيب البغدادي ( الكفاية في علم الرواية ص 107) المكتبة العلمية .
    فكما ترى بين الخطيب ومن قبله القاضي ابن الباقلاني أن الجرح إذا صدر من جاهل وهو العامي ومن لا يعرف الجرح لا يقبل بمجرد صدوره منه حتى يكشف عنه ويعرف حقيقته هل هو جرح بحق أم لا ، ويعرف كذلك موافقته لضوابط الجرح من عدمها، أما إذا صدر من عالم فلا يجب شيء من هذا ووجب قبول جرحه وقال أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن بن الصلاح (ت643هـ ): الجرح لا يقبل إلا مفسراً مبين السبب لأن الناس يختلفون فيما يجرح وما لا يجرح، فيطلق أحدهم الجرح بناء على أمر اعتقده جرحاً وليس بجرح في نفس الأمر فلا بد من بيان سببه لينظر فيه أهو جرح أم لا وهذا ظاهر مقرر في الفقه وأصوله
    انظر : ابن الصلاح ( علوم الحديث ص 69) تحقيق د. نور الدين عتر – المكتبة العلمية 1981م
    وقال أحمد بن حجر العسقلاني: ( الجرح مقدم على التعديل وأطلق ذلك جماعة ولكن محلة إن صدر مبيناً من عارف بأسبابه لأنه إن كان غير مفسر لم يقدح فيمن ثبتت عدالته وإن صدر من غير عارف على المختار لأنه إذا لم يكن فيه تعديل فهو في حيز المجهول، وإعمال قول المجرّح أولى من إهماله) ([2]).
    وهذا الذي قاله ابن حجر في الجرح هو المعتمد وقد اشترط لقبوله في الراوي المعدل شرطين:
    الأول: أن يكون مبيناً أي مفسراً.
    والثاني: أن يكون صادراً من شخص عارف بأسبابه فإنه يقبل فيه هذا الجرح المجمل على القول المختار كذلك ، لكون الشخص المجروح شبه مجهول وهذا أولى من إهمال الجرح أو التوقف فيه كما مال إليه ابن الصلاح
    رحمه الله.
    انظر : علوم الحديث ص 98.

    وهذه أمثلة من كتب التراجم وغيرها لرد العلماء المعتبرين للجرح الصادر كذلك فمن أمثلة الجرح الصادر عن جهل ما رواه الخطيب عن الشافعي أنه بلغه أن إنساناً جرّح رجلاً فسئل عما جرحه به فقال: رأيته يبول قائماً فقيل له: وما في ذلك ما يوجب جرحه ؟ فقال: لأنه يقع الرشش عليه وعلى ثوبه ثم يصلي، فقيل رأيته يصلي كذلك ؟ فقال : لا قال الخطيب معلقاً على هذه القصة : فهذا ونحوه جرح بالتأويل والجهل ، والعالم لا يجرح بهذا وأمثاله([3]).
    وقد تلخص لي من مجموع كلامهم في ذلك ثلاثة شروط لقبول روايته :

    الأول: ألا تكون بدعته مكفرة ، وقد ادعى النووي الاتفاق على عدم الاحتجاج بمن كُفِّر ببدعته ونازعه السيوطي في ذلك فقال: دعوى الاتفاق ممنوعة فقد قيل أنه يقبل مطلقاً وقيل يقبل إن اعتقد حرمة الكذب وصححه صاحب المحصول([4]).

    وقد حرر ابن حجر القول في هذه المسألة فبين وجه الحق فيها وضابط البدعة المكفرة فقال : والتحقيق أنه لا يرد كل مكفر ببدعته لأن كل طائفة تدعي أن مخالفيها مبتدعة وقد تبالغ فتكفر مخالفيها فلو أخذ ذلك على الإطلاق لاستلزم تكفير جميع الطوائف فالمعتمد أن الذي ترد روايته من أنكر أمراً متواتراً من الشرع معلوماً من الدين بالضرورة وكذا من اعتقد عكسه فأمّا من لم يكن بهذه الصفة وانضم إلى ذلك ضبطه لما يرويه مع ورعه وتقواه فلا مانع من قبوله([5]).
    الثاني : ألا يكون داعية إلى بدعته ، وبه قال أكثر العلماء ، وادعى ابن حبان الاتفاق عليه([6]) ورد بأن في الصحيحين رواةً من الدعاة قد احتج بهم الشيخان كعمران بن حطان الخارجي احتج به البخاري، وعبد الحميد بن
    عبد الرحمن الحماني وكان داعية إلى الإرجاء احتج به البخاري ومسلم([7]).

    وأجيب بأن البخاري لم يخرج لعمران بن حطان إلا حديثاً واحداً في المتابعات وقد أخرجه من طرق أخرى عن عمر وغيره ، وكذا لم يخرج
    لعبد الحميد الحماني إلا حديثاً واحداً قد شاركه غيره في روايته فلم يخرج
    له إلا ماله أصل([8]) وأما مسلم فلم يرو إلا عن عبد الحميد الحماني ، وقد أخرج له في المقدمة دون الأصول ، والمقدمة ليست على شرطه([9]).
    الثالث : ألا يروي ما يؤيد بدعته :وهذا الشرط قد سبق إليه أبو إسحاق إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني ووافقه عليه الأئمة من بعده حيث قال عن أهل البدع : ومنهم زائغ عن الحق صدوق اللهجة قد جرى في الناس حديثه إذ كان مخذولاً في بدعته مأموناً في روايته ، فهؤلاء عندي ليس فيهم حيلة إلا أن يؤخذ من حديثهم ما يعرف إذا لم يقوّ به بدعته فيتهم عند ذلك([10]).
    فقوله: (إذا لم يقوّ به بدعته) هو موضع الشاهد من كلامه ومعناه هو ما صدرت به هذه الفقرة أي أنه لم يرو ما يؤيد بدعته .
    وقال ابن حجر: والاكثر على قبول غير الداعية إلا إن روى ما يقوي بدعته فيرد على المذهب المختار وبه صرح الحافظ الجوزجاني في كتابه: "معرفة الرجال" ثم ذكر كلامه السابق ثم قال : وما قاله متجه لأن العلة التي لها رد حديث الداعية وأرده فيما إذا كان ظاهر المروي يوافق مذهب المبتدع ولو لم يكن داعية([11]).
    وقال ابن دقيق العيد : هاهنا نظر في أمر وهو : هل تقبل رواية المبتدع فيما يؤيد به مذهبه أم لا؟ هذا محل نظر فمن يرى رد الشهادة بالتهمة فيجئ على مذهبه ألا يقبل ذلك([12]).
    وبهذا التفصيل يتضح لنا ما أجمل من كلام ابن حجر في الشرط الأول من أنه لا مانع من قبول رواية المبتدع غير المتفق على كفره سواء كان داعية أو غير داعية إذا كان متصفاً بالورع والضبط والتقوى من أن المراد بذلك غير الداعية الذي لم يرو ما يؤيد بدعته حيث رجح هذين الشرطين في مصنفاته كما تقدم وصححهما واختارهما ، ولا أجد بعد هذا أي إشكال في التوفيق بين كلامه السابق واللاحق إلا أن الشيخ أحمد محمد شاكر رحمه الله اقتصر في هذه المسألة على كلام ابن حجر السابق ولم يضم إليه كلامه اللاحق وظفر في المسألة نفسها بكلام عام للذهبي التقطه من كتابه: "الميزان" ولم يعرج على ما ذكره من تفصيل في الموقظة وأصدر حكمه على ضوء ذلك بعدم اعتبار الشرطين السابقين وأنهما مع غيرهما من الأقوال كلها نظرية ثم قال : والعبرة في الرواية بصدق الراوي وأمانته والثقة بدينه وخلقه والمتتبع لأحوال الرواة يرى كثيراً من
    أهل البدع موضعاً للثقة والاطمئنان وإن رووا ما يوافق رأيهم، ويرى كثيراً منهم لا يوثق بأي شيء يرويه ـ ثم نقل تقسيم الذهبي للبدعة وأنها على ضربين بدعة صغرى كغلو التشيع أو التشيع بلا غلو ولا تحرق، وبدعة كبرى كالرفض الكامل والغلو فيه ، وقبوله لحديث أصحاب البدعة الصغرى من غير تفصيل إذا اتصفوا بالدين والورع والصدق وأنه لو رُدَّ حديث هؤلاء لذهبت جملة الآثار النبوية ، وردِّه لحديث أصحاب البدعة الكبرى لعدم وجود رجل صادق أو مأمون بينهم ، وختم هذا النقل بقوله : والذي قاله الذهبي مع ضميمة ما قاله ابن حجر فيما مضى هو التحقيق المنطبق على أصول الرواية([13]).
    قلت : أما ابن حجر فقد تقدم النقل عنه باعتباره للشرطين وترجيحه واختياره لهما وهذا يفسر كلامه المجمل أولاً .
    وأما الذهبي فقد بين في رسالته الموقظة وهي متأخرة ما أجمله في كتابه: "الميزان" وهو سابق عليها كما صرح به فيها([14]) حيث قال : فمنهم من بدعته غليظة ، ومنهم من بدعته دون ذلك ومنهم الداعي إلى بدعته ، ومنهم الكاف ، وما بين ذلك ، فمتى جمع الغلظ والدعوة تجنب الأخذ عنه ، ومن جمع الخفة والكف أخذوا عنه وقبلوه ، فالغلظ كغلاة الخوارج والجهمية والرافضة ، والخفة كالتشيع والإرجاء([15]).
    ومن هنا يتضح أن مراد الذهبي بقبول حديث أصحاب البدعة الصغرى هم غير الدعاة كما توضحه عبارته السابقة: (ومن جمع الخفة والكف أخذوا عنه وقبلوه) أي من كان خفيف البدعة كأن يكون متشيعاً أو مرجئاً ونحو ذلك وكفّ عن الدعوة إلى بدعته وكان مع ذلك ديّناً ورعاً صادقاً أخذ عنه ولم يرد حديثه لأن رد حديث مثل هؤلاء مفسدة بينة تتمثل في ضياع جملة الآثار النبوية ومن لم يكن كذلك رد حديثه ولم يقبل . والله أعلم .





    «« توقيع آملة البغدادية »»
    {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ }
    البقرة186


    من مواضيعي


    هدية الغالية حفيدة الحميراء جزاها الله الجنة

    ــــــــ

  2. #2
    ::ناصرة السنة::
    الحالة : آملة البغدادية غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 3708
    تاريخ التسجيل : Nov 2008
    المشاركات : 3,847
    المذهب : سنيه
    التقييم : 33

     

     

    افتراضي


    المبحث الثاني
    عدم محاباة أحد من المجروحين قريباً كان أو بعيداً وذكره بما فيه من الجرح
    وهذا الأمر من أوضح الأدلة على إنصافهم وعدم مداهنتهم أو مجاملتهم لأحد لأنه لو لم يكن عندهم إنصاف لما تعرضوا بالجرح لأقرب الناس إليهم، وهذا ما حدث بالفعل فقد تكلم بعضهم في آبائهم وبعضهم في أبنائهم وبعضهم في أخوانهم وبعضهم في أختانهم وأصدقائهم قال البهيقي أحمد بن الحسين ( ت 458هـ): ( ومن أنعم النظر في اجتهاد أهل الحفظ في معرفة أحوال الرواة، وما يقبل من الأخبار وما يرد، علم أنهم لم يألوا جهداً في ذلك حتى إذا كان الابن يقدح في أبيه إذا عثر منه على ما يوجب رد خبره، والأب في ولده، والأخ في أخيه لا تأخذه في الله لومة لائم ولا تمنعه في ذلك شجنة رحم ولا صلة مال، والحكايات عنهم في ذلك كثير )
    انظر: البهيقي أحمد بن الحسين ( دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة 1/ 47) تحقيق د. عبد المعطي قلعجي – دار الكتب العلمية – بيروت، ط الأولى 1985م.
    ثم قال ،
    ومن أشهر الأبناء الذين جرحوا آباءهم علي بن عبد الله بن المديني شيخ البخاري (ت 234هـ ) فقد سئل عن أبيه فقال : (اسألوا غيري، فقالوا : سألناك، فأطرق ثم رفع رأسه وقال : هذا هو الدين، أبي ضعيف )
    محمد بن حبان البستني ( المجروحين 2/15) تحقيق محمد ابراهيم زايد – دار الوعي حلب – ط الثانية 1402هـ

    وأبو عمر يوسف بن البر النمري القطبي (ت463هـ ) قال: ( هذا باب قد غلط فيه كثير من الناس وضلت به نابتة جاهلة لاتدري ما عليها في ذلك، والصحيح في هذا الباب أن من صحت عدالته ، وثبتت في العلم أمانته، وبانت ثقته وعنايته بالعلم ، لم يلتفت فيه إلى قول أحد إلا أن يأتي في جرحته ببينة عادلة تصح بها جرحته علي طريق الشهادات والعمل فيها من المشاهدة والمعاينة لذلك بما يوجب قوله من جهة الفقه والنظر، وأمّا من لم تثبت إمامته ولا عرف عدالته ، ولا صحت لعدم الحفظ والإتقان روايته ، فإنه ينظر فيما اتفق أهل العلم عليه ويجتهد في قبول ما جاء به على حسب ما يؤدي النظر إليه والدليل ، على أنه لايقبل فيمن اتخذه جمهور من جماهير المسلمين إماماً في الدين قول أحد من الطاغين ، أن السلف رضوان الله عليهم قد سبق من بعضهم في بعض كلام كثير
    في حال الغضب ومنه ما حمل عليه الحسد كما قال ابن عباس ومالك بن دينار وأبو حازم، ومنه على جهة التأويل مما لا يلزم القول فيه ما قاله القائل فيه، وقد حمل بعضهم على بعض السيف تأويلاً واجتهاداً لا يلزم تقليدهم في شيء من دون برهان ولا حجة توجبه([16]).
    عبد الله بن وهب بن مسلم المصري ( ت197هـ ) قال : ( لا يجوز شهادة القارئ على القارئ – يعني العلماء – لأنهم أشد الناس تحاسداً وتباغضاً ، وقاله سفيان الثوري ومالك بن دينار
    .انظر : ابن حجر العسقلاني ( نزهة النظر بشرح نخية الفكر ص 72) تعليم محمد كمال الدين الأدهمي، مكتبة التراث الإسلامي .

    ومن العلماء الذين نصوا على عدم قبول جرح الأقران: تاج الدين
    عبد الوهاب بن علي السبكي (ت711هـ )

    قال في ترجمة الحارث بن أسد المحاسبي ( ت 243هـ): أول ما نقدمه أنه ينبغي لك أيها المسترشد أن تمسك سبيل الأدب مع الأئمة الماضين، وأن لا تنظر إلى كلام بعضهم في بعض إلا إذا أتى ببرهان واضح، ثم أن قدرت على التأويل وتحسين الظن فدونك،وإلا فأضرب صفحاً عما جرى بينهم فإنك لم تخلق لهذا فاشتغل بما يعنيك ودع ما لا يعنيك
    . انظر : تاج الدين السبكي ( طبقات الشافعية الكبرى 2/39) دار المعرفة – بيروت ط الثانية .

    عدم التعرض بالجرح لمن ليس بمجروح أو ليس من أهل الرواية

    يجمع المحدثون على أنه لا يجوز جرح راو سليم من الجرح لم يثبت فيه شيء يخل بضبطه ولا عدالته لأن في ذلك غيبةً له وعاراً عليه ورداً لحديثه وإبطالاً لسنة من سنن النبي e، وكذلك من ليس من أهل الرواية لا يجوز جرحه لكونه لا صلة له برواية الحديث ، وإنما جوز العلماء الجرح
    بما فيه من الذب عن سنة النبي e وهذا ليس من رواتها ولا المشتغلين بها ، غير أن العلماء استثنوا من ذلك أهل البدع والضلال وإن لم يكن لهم رواية فيجوز جرحهم وتبيين بدعهم وضلالهم للناس من غير تعدّ عليهم ولا زيادة أو نقصان قال أبو عمرو بن الصلاح : ثم إن على الآخذ في ذلك أن يتقي الله تبارك وتعالى ويتثبت ويتوقى التساهل كيلا يجرح سليماً ويسم بريّاً بسمة يبقى عليه الدهر عارها([17]).
    وقال ابن حجر : (وليحذر المتكلم في هذا الفن من التساهل في الجرح والتعديل فإنه إن عدّل بغير تثبّت كان كالمثبت حكماً ليس بثابت فيخشى عليه أن يدخل في زمرة من روى حديثاً وهو يظن أنه كذب ، وإن جرّح بغير تحرز أقدم على الطعن في مسلم برئ من ذلك ، ووسمه بميسم سوء يبقى عليه عاره أبداً)([18]).

    إن كثيراً ممن جرحهم لا رواية لهم فالواجب فيهم شرعاً أن يسكت عن جرحهم ويهمله .
    غير أن السخاوي رحمه الله قد تعقب هؤلاء الذين لا يرون الجرح إلا للرواية ، وبيّن جوازه ، مطلقاً للرواية ولغيرها ، كون ذلك من النصيحة الواجبة وليس من الغيبة المحرمة ، ولكن يجب أن يقتصر فيه على الغرض المطلوب ولا يزاد فيه ، وهذا نص كلامه: (فإن قيل قد شغف جماعة من المتأخرين القائلين بالتاريخ وما أشبهه كالذهبي ثم شيخنا بذكر المعايب ولو لم يكن المعاب من أهل الرواية ، وذلك غيبة محضة ـ الملحوظ في تسويغ ذلك كونه نصيحة ولا انحصار لها في الرواية فقد ذكروا من الأماكن التي يجوز فيها ذكر المرء بما يكره ولا يعد ذلك غيبة بل هو نصيحة واجبة أن تكون للمذكور ولاية لا يقوم بها على وجهها إمّا
    بان لا يكون صالحاً لها ، وإمّا بأن يكون فاسقاً ويرى من يتردد إليه للعلم ويخاف عليه عود الضرر من قبله فيعلمه ببيان حاله ويلتحق بذلك المتساهل في الفتوى أو التصنيف أو الأحكام أو الشهادات أو النقل أو المتساهل في ذكر العلماء أو في الرشاء والارتشاء إمّا بتعاطيه له أو بإقراره عليه مع قدرته على منعه أو أكل أموال الناس بالحيل والافتراء أو الغاصب لكتب العلم من أربابها أو المساجد بحيث تصير ملكاً أو غير ذلك من المحرمات ، فكل ذلك جائز أو واجب ذكره ليحذر ضرره
    شروط وقواعد للجرح
    الأول: حفظ الدين .
    والثاني: حرمة عرض المسلم .
    وعلى ضوء هذين الأمرين تم وضع هذه الشروط ، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على كمال إنصافهم وغاية ورعهم وتقواهم ، حيث إن حفظ الدين من أوجب الواجبات كما أن حفظ عرض المسلم وعدم انتهاكه من الواجبات كذلك فاستطاعوا بما آتاهم الله تعالى من العلم والحكمة أن يوفقوا بين واجب حفظ الدين وواجب حفظ عرض المسلم بوضع هذه الشروط الجامعة المانعة التي تحفظ الحق وتمنع الظلم قال النووي : ثم على الجارح تقوى الله تعالى في ذلك ، والتثبت فيه والحذر من التساهل بجرح سليم من الجرح أو بنقص من لم يظهر نقصه فإن مفسدة الجرح عظيمة فإنها غيبة مؤبدة مبطلة لأحاديثه مسقطة لسنة عن النبي ( ص) ورادة لحكم من أحكام الدين ثم إنما يجوز الجرح لعارف به مقبول القول فيه، أما إذا لم يكن الجارح من أهل المعرفة أو لم يكن ممن يقبل قوله فيه فلا يجوز له الكلام في أحد فإن تكلم كان كلامه غيبة محرمة ، كذا ذكره القاضي عياض رحمه الله([19]).
    قال الذهبي في ضوابط الجرح والتعديل :والكلام في الرواة يحتاج إلى ورع تام وبراءة من الهوى والميل وخبرة كاملة بالحديث وعلله ورجاله([20]).
    وقال أيضاً: والكلام في الرجال لا يجوز إلا لتام المعرفة تام الورع([21]).
    وقال محمد بن أبي بكر بن ناصر الدين الدمشقي ( ت 812هـ ) والكلام في الرجال ونقدهم يستدعي أموراً في تعديلهم وردهم منها : أن يكون المتكلم عارفاً بمراتب الرجال وأحوالهم في الانحراف والاعتدال ومراتبهم من الأقوال والأفعال ، وأن يكون من أهل الورع والتقوى مجانباً للعصبية والهوى خالياً من التساهل عارياً عن غرض النفس بالتحامل مع العدالة في نفسه والإتقان والمعرفة بالأسباب التي يجرح بمثلها الإنسان وإلا لم يقبل قوله فيمن تكلم وكان ممن اغتاب وفاه بمحرم([22]).



    ([2]) انظر : نزهة النظر ص 89-90.

    ([3]) انظر : الكفاية ص 108.

    ([4]) انظر : المصدر السابق 1/324 .

    ([5]) انظر : نزهة النظر ص 53- 54 .

    ([6]) انظر : المصدر السابق ص 54 .

    ([7]) انظر : تدريب الراوي 1/ 326 .

    ([8]) انظر : هدي الساري ص 416 ، 432 .

    ([9]) انظر : معنى هذا في تدريب الراوي 1/326 .

    ([10]) انظر : أبو إسحاق الجوزجاني ( الشجرة في أحوال الرجال ص 11) تحقيق د/ عبد العليم عبد العظيم البستوي دار الطحاوي – الرياض ط الأولى 1990م .

    ([11]) انظر : نزهة النظر ص54.

    ([12]) انظر : الاقتراح ص 335 – 336 .

    ([13]) انظر : أحمد شاكر ( الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث ص 84) مكتبة دار التراث ط الثالثة 1979م .

    ([14]) انظر : الموقظة ص 81 .

    ([15]) انظر : المصدر السابق ص 85 .

    ([16]) انظر : المصدر السابق ص 442.

    ([17]) انظر : علوم الحديث ص 350.

    ([18]) انظر : نزهة النظر ص 89، ونقل السخاوي في فتح المغيث 3/316 كلام ابن حجر هذا ولم يعزه إليه .

    ([19]) انظر : شرح مسلم 1/83- 84.

    ([20]) انظر : الموقظة ص 82.

    ([21]) انظر : ميزان الاعتدال 3/46.

    ([22]) انظر : فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت 2/196، إعداد مكتب التحقيق ، بدار إحياء التراث العربي دار النفائس الرياض ط الأولي 1998م.





    «« توقيع آملة البغدادية »»
    {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ }
    البقرة186


    من مواضيعي


    هدية الغالية حفيدة الحميراء جزاها الله الجنة

    ــــــــ

  3. #3
    عضو
    الصورة الرمزية طموح داعية
    الحالة : طموح داعية غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 10036
    تاريخ التسجيل : Dec 2011
    المشاركات : 463
    المذهب : سنيه
    التقييم : 22

     

     

    افتراضي







    «« توقيع طموح داعية »»
    اللهم أحييني ماعلمت الحياة خيرٌ لي ..
    وتوفني ماعلمت الوفاة خيرٌ لي ..

  4. #4
    ::ناصرة السنة::
    الحالة : آملة البغدادية غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 3708
    تاريخ التسجيل : Nov 2008
    المشاركات : 3,847
    المذهب : سنيه
    التقييم : 33

     

     

    افتراضي


    بارك الله فيكِ عزيزتي وجزاك الجنة





    «« توقيع آملة البغدادية »»
    {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ }
    البقرة186


    من مواضيعي


    هدية الغالية حفيدة الحميراء جزاها الله الجنة

    ــــــــ

  5. #5
    عضو
    الحالة : أنور علي غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 10692
    تاريخ التسجيل : Jun 2012
    الجنـس : رجل
    المشاركات : 331
    المذهب : سني
    التقييم : 12

     

     

    افتراضي



    جهد مميز وعمل مُجد
    لطرحك الرائع

    بارك الله فيك
    ودمت بعطاء لا ينتهي
    ننتظرك وكل جديد ومميز





    «« توقيع أنور علي »»

  6. #6
    عضو
    الحالة : انصارية غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 11511
    تاريخ التسجيل : Oct 2013
    الجنـس : مرأة
    المشاركات : 52
    المذهب : سنيه
    التقييم : 50

     

     

    افتراضي


    بارك الله فيك وجزاك الله خير





    «« توقيع انصارية »»

  7. #7
    عضو
    الحالة : البدوي الناجم غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 11996
    تاريخ التسجيل : Feb 2015
    الجنـس : رجل
    المشاركات : 53
    المذهب : سني
    التقييم : 50

     

     

    افتراضي


    بارك الله فيك وجزاك الله خير





    «« توقيع البدوي الناجم »»

الإنصاف عند المحدثين في جرح الرواة

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. الجرح والتعديل عند المحدثين
    بواسطة حامل المسك في المنتدى قسم للقرآن الكريم وعلومه والأحاديث الشريفة
    مشاركات: 5
    آخر مشاركة: 07-22-2019, 02:04 PM
  2. أسماء وألقاب العقيدة عند المحدثين:
    بواسطة ابو غسان في المنتدى قسم لعقيدة أهل السنة والجماعة
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 12-14-2017, 11:02 AM
  3. كتاب ( السيدة عائشة .. نورانية العفاف وقرآنية الإنصاف )
    بواسطة ناقل أخبار المنتديات الشقيقة في المنتدى منتديات المواقع الشقيقة
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 08-19-2011, 10:11 PM
  4. معالم الفكر المنهجي عند المحدثين
    بواسطة ناقل أخبار المنتديات الشقيقة في المنتدى منتديات المواقع الشقيقة
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 12-10-2010, 10:10 PM
  5. تاريخ السنة النبوية ومناهج المحدثين متجدد
    بواسطة حفيدة الحميراء في المنتدى قسم للقرآن الكريم وعلومه والأحاديث الشريفة
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 07-29-2010, 02:06 PM

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  

الإنصاف عند المحدثين في جرح الرواة

الإنصاف عند المحدثين في جرح الرواة