بسم الله الرحمن الرحيم
أولا ياهدهد سليمان إذا لم يكن عندك علم بالقران والقراءت والتفسير فلا تضع شبهاتك وأنت لست أهل لذلك
ثانيا قوله : ( فآذني ) بمد الهمزة وكسر الذال المعجمة وتشديد النون ، أي أعلمني ( فأملت علي ) بفتح الهمزة وسكون الميم وفتح اللام الخفيفة من أملى وبفتح الميم واللام مشددة من أملل يملل أي ألقت علي ، فالأولى : لغة الحجاز وبني أسد ، والثانية : لغة بني تميم وقيس ( وصلاة العصر ) بالواو الفاصلة وهي تدل على أن الوسطى غير العصر لأن العطف يقتضي المغايرة وأجيب بوجوه أحدها : أن هذه القراءة شاذة ليست بحجة ولا يكون لها حكم الخبر عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأن ناقلها لم ينقلها إلا على أنها قرآن ، والقرآن لا يثبت إلا بالتواتر بالإجماع وإذا لم يثبت قرآنا لا يثبت خبرا قاله النووي . وثانيها : أن يجعل العطف تفسيريا فيكون الجمع بين الروايات . وثالثها : أن تكون الواو فيه زائدة ويؤيده ما رواه أبو عبيد بإسناد صحيح عن أبي بن كعب أنه كان يقرأها ( والصلاة الوسطى صلاة العصر ) بغير واو قال الحافظ في الفتح : قد اختلف السلف في المراد بالصلاة الوسطى وجمع الدمياطي في ذلك جزءا مشهورا سماه : كشف الغطا عن الصلاة الوسطى فبلغ تسعة عشر قولا ، ثم ذكر الحافظ هذه الأقوال ورجح قول من قال : إن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر ، فقال : كونها صلاة العصر هو المعتمد ، وبه قال ابن مسعود وأبو هريرة : وهو الصحيح من مذهب أبي حنيفة ، وقول أحمد والذي صار إليه معظم الشافعية لصحة الحديث فيه . قال الترمذي : هو قول أكثر علماء الصحابة . وقال الماوردي هو قول جمهور التابعين ، وقال ابن عبد البر : [ ص: 262 ] هو قول أكثر أهل الأثر وبه قال من المالكية : ابن حبيب وابن العربي وابن عطية . انتهى .
قلت : لا شك في أن القول الراجح المعول عليه هو قول من قال إنها صلاة العصر ، وقد تقدم بقية الكلام في هذه المسألة في باب ما جاء في الصلاة الوسطى أنها العصر قانتين قيل معناه مطيعين وقيل ساكتين أي عن كلام الناس لا مطلق الصمت لأن الصلاة لا صمت فيها بل جميعها قرآن وذكر ( وقالت سمعتها من رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ) . قال الباجي : يحتمل أنها سمعتها على أنها قرآن ثم نسخت كما في حديث البراء الذي رواه مسلم ، فلعل عائشة لم تعلم بنسخها أو اعتقدت أنها مما نسخ حكمه وبقي رسمه ، ويحتمل أنه ذكرها ـ صلى الله عليه وسلم ـ على أنها من غير القرآن لتأكيد فضيلتها فظنتها قرآنا فأرادت إثباتها في المصحف . لذلك قاله الزرقاني في شرح الموطأ .
قوله : ( وفي الباب عن حفصة ) أخرجه مالك في موطإه .
ثالثا:وفي المحرر الوجيز لابن عطيًّة:
«والقراءة ب يستأذنوا ضعيفة وإطلاق الخطأ والوهم على الكتاب في لفظ أجمع الصحابة عليه لا يصح عن ابن عباس والأشبه أن يقرأ تستأذنوا على التفسير وظاهر ما حكى الطبري أنها قراءة برواية ولكن قد روي عن ابن عباس أنه قال ( تستأنسوا ) معناه تستأذنوا، ومما ينفي هذا القول عن ابن عباس أن ( تستأنسوا ) متمكنة في المعنى بينة الوجه في كلام العرب وقد قال عمر للنبي عليه السلام استأنس يا رسول الله وعمر واقف على باب الغرفة الحديث المشهور، وذلك يقتضي أنه طلب الأنس به صلى الله عليه وسلم فكيف يخطئ ابن عباس رضي الله عنه أصحاب الرسول في مثل هذا»[المحرر الوجيز (4/212)]
ويقول القاضي أبو بكر بن العربي:
« وليس فيه خطأ من كاتب ، ولا يجوز أن ينسب الخطأ إلى كتاب تولى الله حفظه وأجمعت الأمة على صحته ; فلا يلتفت إلى راوي ذلك عن ابن عباس»[أحكام القرآن (6/46)]
ورأى بعض العلماء بأنَّه خبر مدسوسٌ موضوعٌ،كما في قول أبي حيَّان – رحمه الله- في البحر المحيط:
ويقول القاضي أبو بكر بن العربي:
« وليس فيه خطأ من كاتب ، ولا يجوز أن ينسب الخطأ إلى كتاب تولى الله حفظه وأجمعت الأمة على صحته ; فلا يلتفت إلى راوي ذلك عن ابن عباس»[أحكام القرآن (6/46)]
ورأى بعض العلماء بأنَّه خبر مدسوسٌ موضوعٌ،كما في قول أبي حيَّان – رحمه الله- في البحر المحيط:
ويقول الفخر الرازي:
«واعلم أن هذا القول من ابن عباس فيه نظر لأنه يقتضي الطعن في القرآن الذي نقل بالتواتر ويقتضي صحة القرآن الذي لم ينقل بالتواتر وفتح هذين البابين يطرق الشك إلى كل القرآن وأنه باطل».[مفاتيح الغيب (23/171)].
وممن ذهب إلى هذا القول ابن عطية في المحرر الوجيز، والقرطبي في الجامع، الزمخشري في الكشاف،والنيسابوري في غرائب القرآن.
وقد أورد ابن بطَّال – رحمه الله- في شرح على صحيح البخاري مانصُّه:
« قال قتادة وإبراهيم ومجاهد في قوله تعالى : (حتى تستأنسوا ) قالوا : حتى تستأذنوا وتسلموا ، وقال سعيد بن جبير : الاستئناس : الاستئذان ، وهو فيما أحسب من خطأ الكاتب ، وروى أيوب عنه عن ابن عباس : إنما هو حتى تستأذنوا ، سقط من الكاتب . قال إسماعيل بن إسحاق : قوله : ( من خطأ الكاتب ) هو قول سعيد بن جبير أشبه منه بقوله ابن عباس ، لأن هذا مما لا يجوز أن يقوله أحد ، إذ كان القرآن محفوظًا قد حفظه الله من أن يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ».[شرح صحيح البخاري لابن بطَّال (9/10)].
ثانياً: تخريج معنى الأثر:
وللعلماء القائلين أو المسلِّمين بصحة الأثر آراء في توجيه الأثر،وما ينبغي أن يحمل عليه من معنى.
• فالبيقهيُّ وهومن أخرجه في كتابه شعب الإيمان يوجه الأثر بقوله:
«ويحتمل أن تكون ذلك القراءة الأولى ثم صارت القراءة إلى ما عليه العامة». [شعب الإيمان(6/437-438)] .
وفي فتح الباري: «وقال البيهقي : يحتمل أن يكون ذلك كان في القراءة الأولى ثم نسخت تلاوته ، يعني ولم يطلع ابن عباس على ذلك». [الفتح(17/445)].وممن ذهب إلى القول به العلامة الشنقيطيُّ،حيث قال:
« ولا يمكن أن يصح عن ابن عباس، وإن صح سنده عنه بعض أهل العلم. ولو فرضنا صحته فهو من القراءات التي نسخت وتركت، ولعل القارئ بها لم يطلع على ذلك، لأن جميع الصحابة رضي الله عنهم أجمعوا على كتابة تستأنسوا في جميع نسخ المصحف العثماني، وعلى تلاوتها بلفظ: تستأنسوا، ومضى على ذلك إجماع المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها في مصاحفهم وتلاوتهم من غير نكير. والقرآن العظيم تولى الله تعالى حفظه من التبديل والتغيير» [أضواء البيان (5/493)].
وسبقت الإشارة إلى أنَّ ابن عباس قرأ على أبي بن كعب رضي الله عنهما ،فحريُّ أن يكون بناها على قراءته التي تلقاها عن أبيّ بن كعب.
وذهب محمد بن عبد الله بن أشته ت(360هـ) في كتاب المصاحف إلى أنَّ كلام ابن عباس محمول الاختيار ففي كتاب الإتقان للإمام السيوطي مانصُّه:
« وقد أجاب ابن أشته عن هذه الآثار كلها بأن المراد أخطئوا في الاختيار،وما هو الأولى لجمع الناس عليه من الأحرف السبعة. لا أن الذي كتب خطأ خارج عن القرآن» وإياه أختار السيوطي، حيث يقول:
« وأما ابن الأنباري فإنه جنح إلى تضعيف الروايات ومعارضتها بروايات أخر عن ابن عباس وغيره بثبوت هذه الأحرف في القراءة والجواب الأول أولى وأقعد ».[الإتقان (2/329)]
وللعلامة الألوسي اعتراض على هذا الرأي والتوجيه، حيث يقول:
« وأجاب ابن أشته عن جميع ذلك: بأن المراد الخطأ في الإختيار وترك ما هو الأولى بحسب ظنه رضي الله تعالى عنه لجميع الناس عليه من الأحرف السبعة لأن الذي كتب خطأ خارج عن القرآن ،واختار الجلال السيوطي هذا الجواب وقال : هو أولى وأقعد من جواب ابن الأنباري، ولا يخفى عليك أن حمل كلام ابن عباس على ذلك لا يخلو عن بعد لما أن ما ذكر خلاف ظاهر كلامه، وأيضا ظَنّ ابن عباس أولوية ما أجمع سائر الصحابة رضي الله تعالى عنهم على خلافه مما سمع رسول الله صلى الله عليه و سلم في العرضة الأخيرة بعيد »[ روح المعاني(18/134)]..
وأختم بُحَيثي بكلام جامع للقاضي محمَّد بن الطيب الباقلاّني -رحمه الله- في كتابه الانتصار حيث يقول:
«فأمَّا تعلُّقُهم بما رواه أبو عبيدٍ وغيرُه من النَقلة عن كثيرٍ من السلف من
قراءة كلمات وحروفٍ زائدة على ما بين الدفَتين ، ونقصان حروفي وتقديمِ
كلمةٍ على كلمة ، وقولهم : إن هذه الروايات إذا كانت من روايتكم وجبَ أن تكونَ حجّةً عليكم ولازمةً لكمَ .....وقَدْ رُوِيَ من هذه القراءات شيء كثير رواه أبو عُبَيدٍ القاسمِ بنِ سلامِ في كتابهِ المترجم ب "فضائل القرآن" عن رجالِه وغيرِه روايةً غيرَ ثابتةٍ عن أبي عُبيدٍ على ما ذُكر ولا عندَ غيرِه ، فمن ذلك ما رُوي أن عمرَ بنَ الخطابِ كان يقرأ : (غيرِ المغضوبِ عليهم وغيرِ الضالين) ، ومنه ما رُوي عن عبدِ اللّه بن الزبيرِ أنه كان يقرأ : (صِراط مَن أنعمتَ عليهم).... وأن ابن عباسٍ كان يقرأ : (حتى تُسلّموا على أهلها وتستأذنوا)....فلا يجبُ الاعتداد بمثل هذهِ القراءاتِ على وجه.وقلنا أيضاً : إننا نعلمُ إجماعَ الأمةِ وسائرَ من رُويت عنهم هذه الرواياتُ من طريقٍ يوجب العلمَ تسليمَهم بمصحف عثمانَ والرضا به والإقرارَ بصحةما فيه ، وأنه هو الذي أنزلهُ اللّهُ على ما أنزلهُ ورتّبه ، فيجبُ إن صحت هذه القراءات عنهم أن يكونوا بأسرِهم قد رَجعوا عنها وأذعنوا بصحة مصحف عثمان ، فلا أقل من أن تكونَ الرواية لرجوعهم إلى مصحفِ عثمانَ أشهر من جميعِ هذه الرواياتِ عنهم ، فلا يجب الإحفال بها مع معارضة ما هو أقوى وأثبتُ منها.وقلنا أيضا : إنّه لا يجوزُ للشيعةِ التعلقُ بالنقصانِ من كتاب اللّه تعالى أوالزيادةِ فيه بهذه الأخبار ، لأنّها عندهم أخبارُ قوم كَذَبة ضُلالٍ كُفّار ، لا يؤمَن عليهم وضعُ الكذبَ والزيادةَ والنقصانَ في كتابِ الله ، هذا لو تواتر الخبرُ عنهم بهذه القراءات ، فكيف وهي في أدْوَن طبقاتِ أخبارِ الآحاد ِ الواهيةِ الضعيفة ،ومما يجبُ أن يُعتمدَ أيضاً عليهِ في إبطالِ كونِ هذه القراءاتِ كلها من كتاب ِالله الواجبِ قراءتُه ورسمُه بين الدفتين ، إجماعُ المسلمينَ اليومَ وقبلَ اليوم وبعدَ موتِ من رُويت هذه القراءاتُ عنه على أنها ليست من كلامِ الله الذي يجب رسمُه بين اللوحين ، والإجماعُ قاضٍ على الخلافِ المتقدم وقاطع لحُكمِه ، ومحرم للقولِ به لما قد بيَّنَّاه في كتابِ الإجماع من كتاب (أصول ِالفقه) ، بما يغني الناظرَ فيه ، فوجب بذلك إبطالُ جميعِ هذه القراءات.
وقد يُحتملُ أن يكونَ جميعَ هذه القراءاتِ قد كانت منزَلةً على ما رويت عن هذه الجماعة ثم نُسخت الزيادةُ على ما في مصحفنا والنقصانُ منه وإبدالُ الحرفِ بغيره ، والكلمةِ بغيرها ، ونُهي القومُ عن إثباتها وتلاوتها ، فظن كلُ من كان لُقن شيئا منها أنه باقيَ الرسمِ غيرَ منسوخٍ وعلمَ ذلكَ عثمانُ والجماعةُ ونهوهم عنه ، ثم علم أصحابُ هذه القراءاتِ صحة ما دعاهم إليه عثمانُ من إزالة هذه القراءات ونسخِها ، وأن الحجة لم تقم بها ، ولم يتيقن من وجه يوجبُ العلمَ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قرأ بها فرجعوا عند التأملِ والتنبيهِ إلى قولهِ وأذعنوا بصحة مصحفه.ويحتملُ أن يكون جميعَ ما سُمع منهم أو أكثرَه أو وجد مُثبَتا في مصحفٍ لهم إنما قرأوه وأثبتوه على وجه التفسيرِ والتذكير لهم أو الإخبار لمن يسمعُ القراءة بأن هذا هو المراد بها ، نحو قوله : (وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى) ، (وهي صلاةُ العصر) ، وقوله : (فإن فَاءوا "فيهن") وأمثالُ ذلك فقدر من سمعَهم يقولون ذلك أو رآه مثبتا في مصحفهم ، أنهم إنما قالوه وأثبتوه على أنه قرآن منزل ، ولم يكن الأمرُ عندهم كذلك ولا قصدوا لكَتبه بمصاحفهم وجعلها إماما ومدرسةً للناس ، وكانوا لا يثبتون فيها إلا ما ثبت أنه قرآن ، دون غيره.وإذا احتملَ أمرُ هذه القراءاتِ جميعَ هذه الوجوهِ كان القطعُ على أنهامن كلامِ الله تعالى الذي يجبُ إثباته وقراءته جهلاً وتفريطا ممن صار إليهِ ولاسيما مع العلمِ بحصولِ إجماعِ الأمةِ على مصحف عثمانَ رضوان الله عليه .وإذا كان ذلكَ كذلكَ بأنَ بهذه الجملةِ سقوطُ كل ما يتعلقون به من هذه الرواياتِ وأن العملَ في هذا البابِ على ما نقله المسلمون ، خلَفٌ عن سلَف على وجه تقومُ به الحجة ، وينقطعُ العذرُ عن عثمانَ والجماعةِ وأن عليا وغيرهُ من الصحابةِ كانوا لا يقرؤون إلا هذه القراءة ولا يرجعون إلا إليها .ولا يُحكَمون غيرَ هذا المصحف فيما نزلَ بهم ، وبالله التوفيق».[ الانتصار (1/421-427).
المفضلات