والظاهر أن المراد بالمتاع الحسن : سعة الرزق ، ورغد العيش ، والعافية في الدنيا ، وأن المراد بالأجل المسمى : الموت ، ويدل لذلك قوله تعالى في هذه السورة الكريمة عن نبيه هود عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام : ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا ويزدكم قوة إلى قوتكم [ 11 \ 52 ] ، وقوله تعالى عن " نوح " : فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا [ 71 \ 10 - 12 ] ، وقوله تعالى : من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة الآية [ 16 \ 97 ] ، وقوله : ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض الآية [ 7 \ 96 ] ، وقوله : ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم [ 5 \ 66 ] ، وقوله : ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب [ 65 \ 2 ، 3 ] ، إلى غير ذلك من الآيات .
قال الله تعالى "والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون" آية 135 آل عمران.
عن أسماء بن الحكم الفزاري قال سمعت عليا يقول إني كنت رجلا إذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا نفعني الله منه بما شاء أن ينفعني به وإذا حدثني رجل من أصحابه استحلفته فإذا حلف لي صدقته وإنه حدثني أبو بكر وصدق أبو بكر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما من رجل يذنب ذنبا ثم يقوم فيتطهر ثم يصلي ثم يستغفر الله إلا غفر الله له ثم قرأ هذه الآية (والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون). أخرجه أحمد والأربعة وصححه ابن حبان.
عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول من يدعوني فأستجيب له ومن يسألني فأعطيه ومن يستغفرني فأغفر له" رواه مسلم.
وروى النسائي وأبو داود وابن ماجة والبيهقى عن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا ومن كل ضيق مخرجا ورزقه من حيث لا يحتسب" قال الحاكم: صحيح الإسناد.
ففي حديث أبى سعيد الخدرى رضي الله عنه أن رسول الله قال: "إن الشيطان قال: وعزتك يا رب لا أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم, فقال الرب تبارك وتعالى: وعزتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني"، أخرجه أحمد وأبو يعلى والحاكم وقال صحيح الأسناد.
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قال الله تعالى: "يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان فيك ولا أبالى، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالى, يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة" رواه الترمذي.
وأخرج مسلم في صحيحه من حديث معرور بن سويد عن أبي ذر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يقول الله عز وجل من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها وأزيد ومن جاء بالسيئة فجزاؤه سيئة مثلها أو أغفر ومن تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا ومن تقرب منى ذراعا تقربت منه باعا ومن أتاني يمشي أتيته هرولة ومن لقيني بقراب الأرض خطيئة لا يشرك بي شيئا لقيته بمثلها مغفرة ".
وروى البغدادى عن أنس قال كنا مع رسول الله النبي صلى الله عليه وسلم في مسير فقال: "استغفروا فاستغفرنا فقال أتموها سبعين مرة قال فأتممناها سبعين مرة فقال رسول الله النبي صلى الله عليه وسلم ما من عبد ولا امة استغفر في كل يوم سبعين مرة الا غفر الله له سبعمائة ذنب وقد خاب عبد أو امة عمل في اليوم والليلة أكثر من سبعمائة ذنب".
وأخرج أحمد من طريق أخشن السدوسى قال: دخلت على أنس فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "والذي نفسي بيده أو قال والذي نفس محمد بيده لو أخطأتم حتى تملأ خطاياكم ما بين السماء والأرض ثم استغفرتم الله عز وجل لغفر لكم والذي نفس محمد بيده أو والذي نفسي بيده لو لم تخطئوا لجاء الله عز وجل بقوم يخطئون ثم يستغفرون الله فيغفر لهم".
وقد أمر الله تعالي محمد صلي الله عليه وسلم بكثرة الإستغفار والمداومة عليه فقال :
((فَاصْبِرْ إنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإبْكَارِ)) [غافر: 55]، وفي قوله – تعالى -: ((وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إنَّ اللَّهَ كَـــــانَ غَفُوراً رَّحِيماً)) [النساء: 106]، وفي قوله - تعالى -: ((فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إلَهَ إلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنـْـبـِــكَ)) [محمد: 19]، وفي قوله - تعالى -: ((فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إنَّهُ كَانَ تَوَّاباً)) [النصر: 3].
ولقد استجاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لهذا الأمر خير استجابة؛ فعن عائشة - رضي الله عنها- قالت: (ما صلى النبي صلاة بعد أن نزلت ((إذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ)) إلا يقول فيها: سبحانك ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي) (1).
وعنها - رضي الله عنها- قالت: (كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي؛ يتأول القرآن) (2).
وكان يكثر الاستغفار في غير الصلاة، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة) (3).
وعن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (يا أيها الناس توبوا إلى الله، فإني أتوب إليه في اليوم مئة مرة) (4).
وعن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: (أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه) في المجلس قبل أن يقوم مئة مرة) (5).
وعن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: (إنا كنا لنعد لرسول الله في المجلس: (رب اغفر لي وتب عليّ إنك أنت التواب الرحيم) مئة مرة) (6).
وعن الأغر المزني - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (إنه ليغان على قلبي، وإني لأستغفر الله في اليوم مئة مرة) (7).
وقيل في معنى قوله: (إنه ليغان على قلبي) عدة معانٍ، وهي:
ـ المراد بـ (الغين): الفتور عن الذكر الذي شأنه أن يداوم عليه، فإذا فتر عنه لأمرٍ ما عدّ ذلك ذنباً، فاستغفر عنه، وحُكي عن عياض.
ـ وقيل: هو شيء يعتري القلب مما يقع من حديث النفس.
ـ وقيل: هي حالة كمثل جفن العين حين يسبل ليدفع القذى، فإنه يمنع الرؤية، فهو من هذه الحيثية نقص، وفي الحقيقة هو كمال (8).
نماذج من استغفاره:
ولقد أخذ استغفاره نماذج عدة في مواطن كثيرة، منها: استغفاره بعد السلام من الفريضة، وعند الخروج من الخلاء، وفي خطبة الحاجة، وعند النوم، وفي كفارة المجلس.. وغيرها، نذكر منها على سبيل المثال ما يلي:
ـ بعد الفراغ من الوضوء:
عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - أن الرسول قال بعد الوضوء: (سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك) (9).
ـ عند القيام لصلاة الليل:
عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: (كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا قام من الليل يتهجد قال: اللهم لك الحمد، أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد، أنت قيوم السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد، أنت الحق، ووعدك حق، وقولك حق، ولقاؤك حق، والجنة حق، والنار حق، والساعة حق، والنبيون حق، ومحمدٌ حق، اللهم لك أسلمت، وعليك توكلت، وبك آمنت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، أنت المقدِّم وأنت المؤخِّر، لا إله إلا أنت)(10).
ـ في استفتاح الصلاة:
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: (كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يسكت بين التكبير وبين القراءة إسكاتة، قال: أحسبه قال: هنيّةً، فقلت: بأبي وأمي يا رسول الله، إسكاتُك بين التكبير والقراءة، ما تقول؟، قال: أقول اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقـني من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسل خطاياى بالماء والثلج والبَرَد) (11).
ـ في آخر الصلاة:
عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول من آخر ما يقول بين التشهد والتسليم: (اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أسرفت ومـا أنت أعلم بـه مني، أنت المقـدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت) (12).
ـ عند موته:
عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصغيت إليه قبل أن يموت ـ وهو مسند إليّ ظهره ـ يقول: (اللهم اغفر لي وارحمني وألحقني بالرفيق الأعلى) (13).
ـ وفي عامة دعائه:
عن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يدعو بهذا الدعاء: (اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي جِدِّي وهزلي وخطئي وعمدي، وكل ذلك عندي، اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدِّم وأنت المؤخِّر، وأنت على كل شيء قدير) (14).
استشكال ورَدّه:
واستشكل وقوع الاستغفار من النبي وهو معصوم؛ فالاستغفار يستدعي وقوع المعصية، وأجاب العلماء على ذلك بعدة أجوبة، منها:
قول ابن الجوزي: هفوات الطباع البشرية لا يسلم منها أحد.
وقال ابن بطال: الأنبياء أشد الناس اجتهاداً في العبادة لما أعطاهم الله - تعالى - من المعرفة، فهم دائبون في شكره معترفون له بالتقصير، فكأن الاستغفار من التقصير في أداء الحق الذي يجب لله - تعالى -.
وقال القرطبي في (المفهم): (وقوع الخطيئة من الأنبياء جائز؛ لأنهم مكلفون، فيخافون وقوع ذلك ويتعوذون منه) (15).
حث الأمة على الاستغفار:
عَدّ ابن كثير أمر الله لنبيه - صلى الله عليه وسلم - بالاستغفار تهييجاً للأمة على طلب المغفرة، إذ كيف يكون خطاب أفراد الأمة إذا أمر نبيها بالاستغفار؟ (16).
وجاء في الكتاب العزيز حث على الاستغفار وترغيب فيه والثناء على أهله، في مثل قوله - تعالى -: ((وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)) [المزمل: 20]، ومن ذلك: قوله - تعالى -: ((وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ)) [آل عمران: 17].
يقول ابن كثير عن فضيلة الاستغفار وقت الأسحار:
وثبت في الصحيحين عن جماعة من الصحابة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال: (ينزل ربنا - تبارك وتعالى - في كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير، فيقول: هل من سائل فأعطيه؟، هل من داعٍ فأستجيب له؟، هل من مستغفر فأغفر له؟)(17).
وفي الصحيحين عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: من كل الليل أوتر من أوله وأوسطه وآخره، فانتهى وتره إلى السّحَر (18).
وكان عبد الله بن عمر يصلي من الليل ثم يقول: يا نافع هل جاء السحر؟، فإذا قال: نعم، أقبل على الدعاء والاستغفار حتى يصبح.
وعـن حاطب قال: سمعت رجلاً في السحـر في ناحيـة المسجـد وهـو يقـول: يا رب أمرتني فأطعتك، وهذا السحر فاغفر لي، فنظرت، فإذا هو ابن مسعود - رضي الله عنه -.. وعن أنس بن مالك قال: كنا نؤمر إذا صلينا من الليل أن نستغفر في آخر السحر سبعين مرة(19).
تعليم النبي - صلى الله عليه وسلم - الاستغفار لأصحابه:
ومن مظاهر اهتمامه بالاستغفار: تعليمه لأصحابه، بل لخيرة أصحابه، وصاحبه في الهجرة، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - قال: إن أبا بكر الصديق قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله علمني دعاء أدعو به في صلاتي وفي بيتي. قال: (قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كبيراً ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم)(20).
وعن قوله: (مغفرة من عندك) قال الطيبي: دل التنكير على أن المطلوب غفران عظيم لا يحيط به وصف، وقال ابن دقيق العيد: يحتمل وجهين، أحدهما: الإشارة إلى التوحيد، كأنه قال: لا يفعل هذا إلا أنت، فافعله لي، والثاني: أنه إشارة إلى طلب مغفرة متفضل بها لا يقتضيها سبب من عمل حسن ولا غيره، وبهذا الثاني جزم ابن الجوزي فقال: المعنى: هب لي مغفرة تفضلاً، وإن لم أكن لها أهلاً بعملي(21).
ومن اهتمامه بشأن الاستغفار: تعليمه للرجل حديث الإسلام دعاءً يبدأ بالاستغفار، فعن أبي مالك الأشجعي عن أبيه قال: كان الرجل إذا أسلم علّمه النبي الصلاة، ثم أمره أن يدعو بهؤلاء الكلمات: (اللهم اغفر لي وارحمني واهدني وعافني وارزقني)(22).
إن الأمة في هديه محتاجة إلى اللهج بالاستغفار، ابتداءً من حديث العهد بالإسلام إلى خير الأمة وصدِّيقها، فكيف بمن جاء بعدهم؟!.
ومن مظاهـر حث الأمة على الاستغفار: ترغيبهم في سيد الاستغفار، فعـن شداد بن أوس - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (سيد الاستغفار: أن يقول: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك عليّ، وأبوء لك بذنبي، فاغفر لي؛ فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، قال: من قالها من النهار موقناً بها فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة، ومن قالها من الليل وهو موقن بها فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة) (23).
قال ابن حجر: (وفي ذلك إعلام لأمته أن أحداً لا يقدر على الإتيان بجميع ما يجب عليه لله، ولا الوفاء بكمال الطاعات والشكر على النعم، فرفق الله بعباده، فلم يكلفهم من ذلك إلا وسعهم.
وقال ابن أبي جمرة: جمع في هذا الحديث من بديع المعاني وحسن الألفاظ ما يحق له أن يسمى سيد الاستغفار، ففيه الإقرار لله وحده بالإلهية والعبودية، والاعـتـــراف بأنه هو الخالق، والإقرار بالعهد الذي أخذ عليه، والرجاء بما وعده به، والاستـغـفـار من شر ما جنى العبد على نفسه، وإضافة النعماء إلى موجدها، وإضافة الذنب إلى النفس، ورغبته في المغفرة، واعترافه بأنه لا يقدر أحد على ذلك إلا هو) (24).
وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (طوبى لمن وجد في صحيفته استغفاراً كثيراً)(25).
الحاجة إلى الاستغفار:
قال ابن القيم - رحمه الله - في بيان حاجـــــة الـعـبـــد للتوبة والاستغفار: (انسب أعمالك وأحوالك إلى عظيم جلال الله، وما يستحقه، وما هو لــــــه أهل، فإن رأيتها وافية بذلك مكافأة له فلا حاجة حينئذ إلى التوبة، وإذا رأيت أن أضـعـــــاف أضعاف ما قمت به من صدق، وإخلاص، وإنابة، وتوكل، وزهد، وعبادة: لا يفي بأيـســــــر حق له عليك، ولا يكافئ نعمة من نعمه عندك، وأن ما يستحقه لجلاله وعظمته أعظم وأجل وأكبر مما يقوم به الخلق: رأيت ضرورة التوبة، وأنها نهاية كل عارف وغاية كل سالك، وإذا لم يكن للقيام بحقيقة العبودية سبيل فعلى التوبة المعول... ولولا تنسم روحه التوبة لحال اليأس بين ابن الماء والطين وبين الوصول إلى رب العالمين، هذا لو قام بما ينبغي عليه من حقوق لربه، فكيف والغفلة والتقصير والتفريط والتهاون وإيثار حظوظه في كثير من الأوقات على حقوق ربه لا يكاد يتخلص منها؟!)(26).
وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: (إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعدٌ تحت جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مر على أنفه، فقال به هكذا) (27).
قال ابن حجر: (الـمـؤمـــــن يغلب عليه الخوف؛ لقوة ما عنده من الإيمان، فلا يأمن من العقوبة بسببها، وهذا شأن الـمـسـلـم: أنه دائم الخوف والمراقبة، يستصغر عمله الصالح، ويخشى من صغير عمله السيء. وقال المحب الطبري: إنما كانت هذه صفة المؤمن؛ لشدة خوفه من الله ومن عقوبته، لأنه على يقين من الذنب وليس على يقين من المغفرة) (28).
ثمار الاستغفار:
أولاً: غفران جميع الذنوب، ويـشـمـــــل ذلك ذنوب العبد التي لم يحصها أو نسيها وقد أحصاها الله عليه مهما صغرت أو مضت عليه السنون، وقد حكى الله عن أناس غفلوا عن أعمالهم ففجأتهم يوم القيامة، قال الله عنهم: ((وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ)) [الزمر:47].
ثانياً: الدخول على الله من باب الخضوع والخشية والإخبات، وهذا يورث التواضع باطناً وظاهراً.
ثالثاً: الاقتداء بالرسول، وظاهرٌ ما في الاقتداء به من البركة وحصول الخيرات.
رابعاً: الاعتراف بالتقصير في الطاعات والخـوف من الذنوب هو مطية الإقبال على التزود من النوافل وعمل الصالحات والاستكثار من الحسنات.
خامساً: المحافظة على سلامة القلب وصـفــائه من آثار الذنوب، كما جاء في الحديث عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: (إن العبد إذا أخـطــأ خطيئة نكتت في قلبه نكتة سوداء، فإن هو نزع واستغفر وتاب: صقل قلبه)(29).
وقــد قـــال رســـــول الله - صلى الله عليه وسلم -: (كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون)(30).
أقوال السلف في الإستغفار
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: اجلسوا إلى التوابين فإنهم أرق أفئدة.
وقال ابن عباس رضي الله عنهما : التوبة النصوح : الندم بالقلب ، والاستغفار
باللسان ، والإضمار أن لا يعود إليه أبداً.
قال أبو بكر الواسطي رحمه الله : التأني في كل شيء حسن إلا في ثلاث
خصال : عند وقت الصلاة ، وعند دفن الميت ، والتوبة عند المعصية.
وقال مجاهد رحمه الله : من لم يتب إذا أمسى وإذا أصبح ، فهو من الظالمين.
وقيل : من ندم فقد تاب ، ومن تاب فقد أناب .
قال علي رضي الله عنه : العجب ممن يهلك ومعه النجاة ، قيل : وما هي ؟
قال: الاستغفار.
وقال قتادة رحمه الله : القرآن يدلكم على دائكم ودوائكم. أما داؤكم فالذنوب
وأما دواؤكم فالاستغفار.
وقال الفضيل رحمه الله : الاستغفار بلا إقلاع توبة الكذابين.
وقال بعض العلماء رحمهم الله : العبد بين ذنب ونعمة لا يصلحها إلا الاستغفار.
قال أحمد بن عاصم الانطاكي : هذه غنيمة باردة، أصلح فيما بقي ، يغفر لك
فيما مضى
قال سعيد بن المسيب: أنزل الله تعالى فإنه كان للاوابين غفورا في الرجل
يذنب ثم يتوب
قال الحسن البصري: التوبة النصوح ندم بالقلب واستغفار بالسان وترك ب
بالجوارح، وإضمارألا يعود
وقال الفضيل بن عياض: كل حزن يبلى إلا حزن التائب
قال الربيع بن خيثم: اتدرون ما الداء وما الدواء والشفاء قالو لا قال : الداء
الذنوب والدواء الاستغفار والشفاء أن تتوب ثم لا تعود
قال طلق بن حبيب: إن حقوق الله أعظم من أن يقوم بها العبد، فأصبحوا
تائبين، وأمسوا تائبين
قال شقيق البلخي: علامة التوبة : البكاء على ما سلف والخوف من الوقوع
في الذنب وهجران إخوان السوء وملازمة الأخيار
قال أبي علي الروذباري: من الاغترار أن تسئ فيحسن إليك ، فتترك التوبة
توهما أنك تساهم تسامح في الهفوات
قال لقمان لابنه: يا بني ، لا تؤخر التوبة فإن الموت يأتي بغتة
قال ابراهيم با أدهم: من أراد التوبة فليخرج من المظالم وليدع مخالطة
الناس أي في الشر وغلا لم ينل ما يريد
قال يحي بن معاذ : الذي حجب الناس من التوبة: طول الأمل وعلامة التائب:
إسبال الدمعة وحب الخلوة والمحاسبة للنفس عند كل همة.
ذكر الامام ابن القيم رحمه الله: أن الكبيرة قد يقترن بها من الحياء والخوف
والاستعظام لها ما يلحقها بالصغائر وقد يقترن بالصغيرة من قلة الحياء وعدم المبالاة، وترك الخوف
والاستهانة بها ما يلحقها بالكبائر بل يجعلها في أعلى رتبة
قال أبو بكر الصديق : رضي الله عنه لو أن احدى قدمي في الجنةما أمنت
مكر الله ولعل هذا استشعار لقول النبي صلى الله عليه وسلم القلوب بين اصبعين من أصابع الرحمن
يقلبها كيف يشاء.
المفضلات