إن شغف العرب باللغة العربية منحها مكانة عالية على الساحة الدولية، فحالياً هي واحدة من لغات الأمم المتحدة الرسمية، وواحدة من لغات العالم التي دخلت عالم الانترنت بقوة (5% من لغات العالم فقط حققت هذا الحضور الإلكتروني). واليوم، مع نصيب اللغة العربية في العوالم الإلكترونية، من المفيد معرفة أيامها الأولى وبداياتها التاريخية، إذ إنها زبدة ما أنجزه تاريخ مديد من الإبداع الأدبي والتبادل الثقافي والعلمي مع حضارات العالم لقرون طويلة.

ولكن دراسة تاريخ اللغة العربية مهمة صعبة وإشكالية، لأنها طالما كانت جزءاً من الهوية الدينية والقومية للشعوب العربية. تاريخها الذي لا يدعم مفاهيم العروبة الحديثة، وكذلك أصولها قبل الإسلام، لم يلقَ اهمتاماً كافياً، ولا يدرّس في مناهج التعليم اليوم. ماذا تقول لنا دراسات علم اللغة والأثار عن أصول الأبجدية العربية؟

https://youtu.be/vYiGO5NOtFk


من بلاد الشام


البدايات كانت، قبل 3 آلاف سنة. أقدم الأدلة للأبجديات التي كشفت عنها أبحاث علم الآثار تأتي من القرن 14 قبل الميلاد، وتحديداً من المنطقة الممتدة بين بلاد الرافدين ومصر، وقد أطلق علماء تاريخ اللغة على الأشكال الأولية من تلك الفترة اصطلاح "الأبجدية الكنعانية"، التي يعتقد اليوم بأنها أمّ معظم أبجديات العالم القديم.


كما أن أبحاث علم الآثار تشير إلى أن سكان المنطقة استخدموا أبجدية ثانية هي أبجدية أوغاريت، التي اكتشفت في رأس شمرا في الشمال الغربي السوري.


ماذا تقول لنا دراسات علم اللغة والأثار عن أصول الأبجدية العربية؟


مع حلول القرنين العاشر والتاسع قبل الميلاد، بدأت أبجدية ثالثة هي الآرامية، بالانتشار. ومن أهم الممالك التي تبنت الآرامية لغة رسمية لها، هي مملكة الأنباط في جنوب بلاد الشام، التي اشتهرت بعاصمتها البتراء بين القرنين الرابع والثاني قبل الميلاد. وقد وصلت إلينا نقوش بالأبجدية الآرامية التي كانت اللغة الرسمية للمملكة، وهناك ما يشير إلى أنها ربما قد حلت محل الفينيقية في بلاد الشام. ومن الآرامية ولدت أبجديات جديدة هي السريانية والبنطية.

من الجزيرة العربية


مع القرنين العاشر والتاسع قبل الميلاد، يعتقد علماء الآثار أن الجزيرة العربية عرفت أبجديتين: الأولى هي الأبجدية الفينيقية التي يعتقد أنها انحدرت من الأبجدية الكنعانية، وتترتب حروف هذه الأبجدية الـ22 على نسق "أبجد هوز حطي كلمن سعفص قرشت"، الذي يستعمل في بعض الأحيان حتى اليوم لترتيب الأبجدية العربية.


الأبجدية العربية - الأبجدية الفينيقية


الثانية هي أبجدية المسند العربي، ومركزها اليمن، وهي أبجدية متطورة وشبيهة بالأبجدية الكنعانية، وما يميزها هو إمكانية الكتابة من اليمين إلى اليسار، ومن اليسار إلى اليمين، أما الفينيقية فكانت حصراً من اليمين إلى اليسار.

الأبجدية العربية - أبجدية مسند

الفينيقة والمسند العربي: أيهما انحدر من الآخر؟


سؤال ينقسم حوله علماء تاريخ اللغة: ما هو أصل هاتين الأبجديتين؟ وأيهما كانت أصلاً للأخرى؟ لأن طرق التجارة وصلت بين اليمن وشبه الجزيرة العربية جنوباً مع شواطئ المتوسط الشرقية، يعتقد البعض بأن الفينيقة قد تكون تأثرت بالمسند العربي. ويذهب آخرون أبعد من ذلك، فيزعمون أن الأبجدية اليونانية القديمة (الإغريقية) نفسها، تأثرت بالمسند العربي، وهو رأي ناتج من تشابه أشكال بعض الحروف للأبجديتين. والرأي المعاكس له أنصاره، فهل كانت الفينيقية هي الأصل أو على الأقل صاحبة التأثير الأعمق؟

ما يبدو جلياً من الأدلة الأثرية نقطتان: الأولى أن الأبجديتين وصلتا إلى مراحل متطورة في الفترة نفسها (القرنين العاشر والتاسع قبل الميلاد)، والثانية أن بينهما تشابهاً أو أصلاً مشتركاً.


ولادة الأبجدية العربية في بداية الألفية الأولى
مع ازدهار حضارتي الفرس في الشرق والروم في الشمال الغربي، أصبحت بلاد الشام تحت تأثير ثقافي واقتصادي خارجين، ولكن في الوقت نفسه، أصبح لدى سكان منطقة بلاد الشام والجزيرة كنوز هاتين الحضارتين. وفي هذه الظروف التاريخية للتبادل والتنافس الثقافي بين الفرس والروم، باتت أبجديات متنوعة في متناول العرب: الآرامية (ومنها السريانية والنبطية)، واليونانية، وأبجديات بلاد ما بين النهرين (البهلولية والأفستية)، والمسند العربي في جنوب وشمال الجزيرة العربية. في هذه الفترة الغنية ثقافياً ولدت الأبجدية العربية الأولى المعروفة بالـ"الجزم".






الأبجدية العربية - نقش بالجزم من جنوب دمشق نقش بالجزم من جنوب دمشق، يعود لعام 582



تنقسم نظريات أصل الجزم، فيذهب فريق إلى أن الأبجدية العربية الأولى تطورت من النبطية الآرامية، والثاني يعتقد أنها تطورت محلياً من المسند مع قبائل الجزيرة العربية المستقرة شمالاً، والتي كانت على اطلاع على النبطية والمسند.






تطور الأبجدية العربية



ولكن ما يبقى من دون إجابة حتى الآن هو: كيف وصل الشعر الجاهلي إلى هذه الذروة من النضج، والكمال الفني في هذه الفترة القصيرة قبل الإسلام؟ وهل يعقل أن تبدع لغة بهذا البذخ، وهذه الوفرة في المفردات، وإقامة الفروق بين الاسم والمسمى في مدة وجيزة، كالتي يحددها علماء اللغة؟ وفي غياب براهين قاطعة، يبقى السؤال مفتوحاً: الشعر الجاهلي الذي يتمتع بمستوى رفيع من التصوير الفني، والنثر والأمثال، والحكم، والأقوال المأثورة، وحتى المعتقدات الميتافيزيقية، عوامل تشير كلها إلى وجود حاضنة ثقافية فكرية ولغوية متطورة أيام الجاهلية.

ما يتفق عليه معظم الدارسين هو أن الجزم تطور على مدى عقود، واستقر عندما تبناه العرب مع بدايات الإسلام.

لقد تطورت الأبجدية العربية سريعاً، واغتنت مع ازدهار ثقافة الإسلام، وتطور الخط العربي حتى غدا فنّاً له جمهوره وفنانوه حتى اليوم. إلا أن حقيقة نجاحها تكمن في الثقافة التي غذتها. ولتستمر في ازدهارها، تحتاج الشعوب العربية إلى تكثيف جهودها في مجال الإبداع والأبحاث.

اللافت أن بدايات الأبجدية العربية تخبرنا عن تاريخ التعددية، وغنى التأثيرات التي قدمتها الثقافات المحلية والمجاورة لتخلق بيئة مميزة ولدت العربية فيها وتطورت حتى باتت من أغنى لغات العالم في أصواتها، وانفتاح آفاق الاشتقاق فيها، ومن أكثرها اتساعاً، ومطاوعةً في التعبير عن الفن والأدب والفكر والعلوم.