أثر الامامة على التوحيد

آخـــر الــمــواضــيــع

مواقع شقيقة
موقع عدة طالب العلم منتديات الدفاع عن السنة مهتدون(لماذا تركنا التشيع) منتديات قناة وصال
بث قناة وصال الفضائية شبكة ومنتديات المنهج موقع القادسية موقع فيصل نور
موقع كسر الصنم منتديات النُصرة الإسلامية منتديات ملتقى السنة منتدى مسلم أون لاين
منتديات الدفاع عن الصحابة منتديات العمامة جامعة المدينة العالمية منتديات شقائق النعمان
منتدى الصحب والآل منتدى شواطئ التائبين منتديات شمس الاسلام أحباب الله
موقع النور منتديات روضة القرآن شبكة رحماء الإسلامية شبكة ربيع الفردوس
شبكة الدفاع عن الصحابة على يوتيوب شبكة الدفاع عن الصحابة على يوتيوبشبكة الدفاع عن الصحابة على فيس بوك   شبكة الدفاع عن الصحابة على تويتر

أثر الامامة على التوحيد

صفحة 1 من 3 123 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 10 من 22

الموضوع: أثر الامامة على التوحيد

  1. #1
    عضو
    الحالة : ابو غسان غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 5223
    تاريخ التسجيل : Nov 2009
    الجنـس : رجل
    المشاركات : 3,405
    المذهب : سني
    التقييم : 52

     

     

    افتراضي أثر الامامة على التوحيد


    حقائق السلامة

    نظراً لخطورة الشرك على عاقبة الإنسان، فيجب على من أراد السلامة من النار والفوز برضاء الله تعالى وجنته؛ أن يتقيد بهذه القواعد التي تجنبه الوقوع في الشرك، أو وسائله التي قد تؤدي إلى الوقوع فيه:

    الحقيقة الأولى

    الغلو أصل كل شرك في بني آدم

    تنتظم هذه الحقيقة في ثلاثة محاور:

    المحور الأول: أساس الشرك هو الغلو في الصالحين:

    إن دين الله تعالى وسط بين الغالي فيه والجافي عنه، والله تعالى ما أمر عباده بأمر إلاّ إعترض الشيطان فيه بأمرين، لا يبالي بأيهما ظفر: إما إفراط فيه، أو تفريط.

    قال الله I وهو ينهى عن الغلو: ﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾[النساء/171]، ﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ ﴾ [المائدة/77] وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ )([2]).

    أما التفريط فينشأ عن إتباع شهوة النفس والركون إلى ملذات الدنيا، وهذا علاجه لا يتطلب سوى مواعظ مؤثرة وتذكير بأن هذه الحياة قصيرة وفانية وزائلة وليست هي نهاية المطاف؛ بل يعقبها إما نعيم دائم، أو عذاب سرمدي.

    وأما الإفراط فيه فهو أصل كل إنحراف عن الدين وعن جادة الصواب . ولا ينشأ الإفراط في الدين إلاّ عن إعتقاد القلب. فلا ينشأ إلاّ عن الحب سواء حب تطبيق شرائع الدين؛ أو حب عباد الله الصالحين.

    فيتجاوز صاحبه الحدود والمديات التي رسمها الشارع الحكيم، ومن الطبيعي أن الذي يتجاوز الحدود المرسومة له سيتعدى حتماً على حدود الآخرين. وأكبر المشكلة في علاجه أن صاحبه يرى أنه على إستقامة من الأمر، وأنه لا طريق إلى الله تعالى غير طريقه، وأن من عداه فهو في ضلال مبين.

    فللغلو صورتان:

    الأولى: الزيادة على ما جاء به رسول الله r من أقوال وأفعال وإعتقاد، وهذا الغلو يطلق عليه ( البدعة ). وله أمثلة كثيرة كغلو الخوارج في تكفير المسلمين بالذنوب، وغلو الشيعة في تكفير من عداهم من الفرق الإسلامية.

    وهنالك أمثلة أخرى ، كإستحداث صلوات غير الصلوات المسنونة، أو أدعية مستحدثة لم تكن في القرون الأولى، والرهبانية التي إستحدثتها النصارى وما رعوها حق رعايتها؛ قال الله تعالى: ﴿ وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ﴾[الحديد/27]. . إلخ. وهذا ليس موضوعنا فلا نتشعب فيه.

    الثانية: الغلو في الصالحين من البشر، كالأنبياء والأولياء، أو الغلو في عباد الله المكرمين من الملائكة والصالحين، كغلو النصارى في عيسى؛ قال تعالى: ﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا ﴾[النساء/171].

    وقال أيضا: ﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ ﴾ [المائدة/77].

    وهذا النوع من الغلو أخطر من النوع الأول، لأن فيه تعدٍّ لحدود الله، وهضم لحقوقه تعالى التي يتميز بها عن سائر خلقه.

    بل إن أعظم الخطر فيه يكمن في إعطاء ما هو من خصائص الله تعالى لغيره من البشر أنبياء كانوا، أم أولياء.

    ومتى ما وقع شيء من هذا القبيل، فقد وقع الشرك الذي من أبسط أشكاله مزاحمة المخلوق للخالق فيما هو من خصائص الألوهية أو الربوبية. قال الله تعالى: ﴿ ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾[الروم/28].

    والتشيع أساسه حب أهل بيت النبي رضي الله عنهم، حبّاً أخرجهم من الإعتدال إلى الغلو فيهم، والتنقيص من شأن الصحابة الذين إعتقدوا فيهم أنهم ظلموا أهل البيت، وأخذوا منصب الخلافة منهم؛ ومن ثم تطور شيئاً فشيئاً وأخذ إتجاهاً آخر. وهذا ما سنبحثه في المحور الثاني.





    المحور الثاني: التشيع أساسه الغلو في أئمة أهل البيت:

    بدأ التشيع في أصل نشأته من حب علي بن أبي طالب y وأهل بيته الطاهرين، وتقديم محبتهم على محبة بعض الصحابة، من عدا الشيخين ـ أبي بكر وعمر ـ رضي الله عنهما. ( فعن شريك بن عبد الله أنه سأله سائل: أيهما أفضل أبو بكر أو علي؟ فقال له: أبو بكر. فقال السائل: تقول هذا وأنت شيعي! فقال له: نعم من لم يقل هذا فليس شيعياً، والله لقد رقي هذه الأعواد علي، فقال: ألا إن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، ثم عمر، فكيف نرد قوله، وكيف نكذبه؟ والله ما كان كذاباً)([3]).

    ثم تطور إلى تقديم خلافته على خلافة عثمان بن عفان y ، أي أنه كان أولى من عثمان في الخلافة على الأمة بعد عمر.

    ثم تطور شيئاً فشيئاً إلى إختلاف عقائدي بعد أن كان لا يتعدى من هو الأولى في الحكم والسياسة. ثم تطور إلى الطعن والبراءة من الصحابة وأمهات المؤمنين رضي الله عنهن، ثم إلى القول بتحريف القرآن، ثم إلى الغلو في بعض أهل البيت، والإعتقاد فيهم بالعصمة، وأنهم يعلمون الغيب، ثم تشييد المقامات والأضرحة والعكوف على قبورهم، وما يصاحب ذلك من أنواع الطقوس والعبادات التي ما أنزل الله بها من سلطان.

    يقول شيخهم عبدالله الممقاني: "إنا قد بينا غير مرة أن رمي القدماء الرجل بالغلو لا يعتمد عليه ولا يركن إليه لوضوح كون القول بأدنى مراتب فضائلهم (يعني الأئمة) غلواً عند القدماء، وكون ما نعده اليوم من ضروريات مذهب التشيع غلواً عند هؤلاء، وكفاك في ذلك عدّ الصدوق نفي السهو عنهم غلوًا، مع أنه اليوم من ضروريات المذهب، وكذلك إثبات قدرتهم على العلم بما يأتي (أي علم الغيب) بتوسط جبرائيل والنبي غلواً عندهم ومن ضروريات المذهب اليوم" [تنقيح المقال: 3/240)([4]).

    ويقول الدكتور أحمد الكاتب:

    ( فنحن نعتقد أن أزمة الشيعة لم تبدأ من العصر الصفوي، وإنما ابتدأت من تحول فريق من الشيعة من التشيع "السياسي" إلى التشيع "الديني" في القرن الثاني الهجري. ولذا نعتقد أن الحل يكمن في تفكيك "التشيع الديني" والعودة إلى جوهر "التشيع السياسي". وأن في هذه العودة خيرا للشيعة وللعالم الإسلامي. وذلك لأن العالم الإسلامي لم يكن منقسما إلى طوائف في ظل التشيع السياسي، في أيام خلافة الإمام علي بن أبي طالب، الذي كان يجمع عليه الغالبية من المسلمين، وهو يمكن أن يتحد اليوم مرة أخرى على ذلك النوع من التشيع "السياسي" وإن لم يكن شخص الإمام علي أو أحد من أهل بيته موجودا في الوقت الراهن. إذ أن المهم هو الجوهر وليس الإطار، وجوهر التشيع يتمثل في روح العدل والحرية والشورى والوحدة، وهي مباديء لا تخص الشيعة فقط بل يجمع عليها عامة المسلمين)([5]).

    ونحن نعتقد اليوم أن التشيع أساسه الغلو في أفراد من أهل البيت، وهم الذين اصطلحوا على تسميتهم بـ( الأئمة الإثنا عشر المعصومين). وفيما يلي أذكر جانباً من غلو الشيعة فيهم، مبيناً النتائج المترتبة عليه:

    · القول بعصمتهم: والقول بعصمتهم من الذنوب الصغيرة والكبيرة، ومن السهو والغلط([6])، يعني مساواتهم بالنبي r ، بل ربما ذكر لنا القرآن ذنوباً لبعض الأنبياء، بما لا يتعارض مع النبوة والتبليغ عن الله تعالى؛ والنبي كان عندما كان يُسأل عن ما لا يعلمه من الأحكام، أو عن أخبار الأمم الماضية، كان الوحي يأتيه فيعلمه. أما الإمام فهو فوق النبي في هذه المرتبة، لأنه لا يوحى إليه، فهو إذن يعلم كل شيء من غير أن يوحى إليه. وقالوا أن الأئمة ( ليسوا من قبيل الرواة عن النبي والمحدثين عنه، ليكون قولهم حجة من جهة أنهم ثقات في الرواية؛ بل لأنهم هم المنصوبون من الله تعالى على لسان النبي لتبليغ الأحكام الواقعية، فلا يحكمون إلا عن الأحكام الواقعية عند الله تعالى كما هي . . وأن ذلك يتحقق من طريق الإلهام كالنبي من طريق الوحي، أو من طريق التلقي عن المعصوم قبله " ) (المظفر/ أصول الفقه المقارن: 3/51)([7]).

    يقول شيخ الإسلام إبن تيمية:

    ( وأيضا فجعل غير النبي مماثلا للنبي في ذلك قد يكون من أعظم الشبه والقدح في خاصة النبي فإنه إذا وجب أن يؤمن بجميع ما يقوله هذا كما يجب الإيمان بجميع ما يقوله النبي لم تظهر خاصة النبوة فإن الله أمرنا أن نؤمن بجميع ما أتى به النبيون فلو كان لنا من يساويهم في العصمة لوجب الإيمان بجميع ما يقوله فيبطل الفرق. . . وإذا ساوى النبي في وجوب طاعته في كل شيء ووجوب تصديقه في كل شيء ونفى كل غلط منه فيقال فأي شيء خاصة النبي التي انفرد بها عنه حتى صار هذا نبيا وهذا ليس بنبي. فإن قيل: بنزول الوحي عليه قيل إذا كان المقصود بنزول الوحي عليه قد حصل له فقد استراح من التعب الذي كان يحصل للنبي وقد شاركه في المقصود. وأيضا فعصمته إنما تكون بإلهام الحق له وهذا وحي.)([8]).

    · قولهم بتحريف القرآن: هذا القول كان نتيجة لخلو القرآن من الأدلة الصحيحة الصريحة على عقيدة الإمامة التي بها فارق الشيعة المسلمين.

    وخطورة هذا القول تكمن في الطعن في صحة الإسلام، والطعن في نبوة سيدنا محمد بن عبدالله r ، ذلك أن القرآن هو المعجزة الخالدة لخاتم الأنبياء والمرسلين، وهو الدليل على صحة نبوته r , والطعن فيه، ولو في آية واحدة، أو حتى في حرف واحد منه، فإنه من شأنه أن يرفع الثقة فيه ومنه. فلا قرآن يبقى، ولا إستدلال بنبوة محمد r ؛ فبذلك يبطل الكتاب ، وتبطل رسالة نبينا محمد r.

    ولقد تنبه إلى هذا القول قديماً إبن حزم الأندلسي فقال: ( وأما قولهم (يعني النصارى) في دعوى الروافض تبديل القرآن فإن الروافض ليسوا من المسلمين). [الفصل: 2/213.]([9]) .

    · الغلو في الأئمة وفي آثارهم والعكوف على المشاهد والقباب التي بُنيت على قبورهم:

    وهذا أخطر أنواع الغلو لأنه يتعلق بحق الله تعالى في عبادته وحده، وإجتناب الشرك فيه.

    وهم يسمون ما يجري عند قبور أئمتهم من الغلو بإحترام وتقدير عظماء الإسلام، وكأن إحترام وتوقير هؤلاء لا يكون إلاّ بتنقيص حق الله تعالى في الألوهية أو الربوبية.

    وقد أخذ هذا الغلو صوراً متنوعة وأنواعا كثيرة من التصرفات القولية ، والفعلية، نذكر منها:

    ـ إدعائهم بأن الأئمة يعلمون الغيب: جاء في الكافي عن الإمام جعفر u أنه قال في رواية طويلة أخذنا منها موضع الحاجة: ( ثُمَّ سَكَتَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ إِنَّ عِنْدَنَا عِلْمَ مَا كَانَ وَعِلْمَ مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ قَالَ قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ هَذَا وَاللَّهِ هُوَ الْعِلْمُ قَالَ إِنَّهُ لَعِلْمٌ وَلَيْسَ بِذَاكَ قَالَ قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ فَأَيُّ شَيْءٍ الْعِلْمُ قَالَ مَا يَحْدُثُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ الْأَمْرُ مِنْ بَعْدِ الْأَمْرِ وَالشَّيْءُ بَعْدَ الشَّيْءِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ) بل لقد بوّب الكليني باباً بعنوان: ( بَابُ أَنَّ الْأَئِمَّةَ u يَعْلَمُونَ عِلْمَ مَا كَانَ وَمَا يَكُونُ وَأَنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِمُ الشَّيْءُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ). وهذا ما يعني مساواتهم بالله تعالى في اخص خصوصيات الله تعالى، وهو علم الغيب، قال تعالى: { قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ } [النمل/65].

    ـ إدعائهم بأن لأئمتهم ولاية تكونية ومقاما لا يبلغه ملك مقرب، ولا نبي مرسل: يقول إمامهم المعاصر الخوميني: ( إن للأئمة مقاما محمودا ودرجة سامية وخلافة تكوينية تخضع لولايتها وسيطرتها جميع ذرات هذا الكون وأن من ضروريات مذهبنا أن لأئمتنا مقاماً لا يبلغه ملك مقرب ولا نبي مرسل ). [الحكومة الإسلامية: ص52.]([10]).

    ـ تفسيرهم للقرآن بشكل لا ينسجم لا مع اللغة ولا مع المنطق ولا مع العقل:

    ففي قوله سبحانه: ﴿ وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر، آية: 65.]. جاء تفسيرها بما يلي: "يعني إن أشركت في الولاية غيره" [هذا لفظ الكليني في الكافي.].

    وفي قوله تعالى: ﴿ ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ [غافر/12]

    تقول رواياتهم: "عن أبي جعفر في قوله عز وجل:﴿ ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ﴾ بأن لعلي ولاية ﴿ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ ﴾ من ليست له ولاية ﴿ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾" [البرقي/ كنز جامع الفوايد ص277، بحار الأنوار: 23/364، وانظر: تفسير القمي: 2/256، أصول الكافي: 1/421، البرهان 4/93-94، تفسير الصافي: 4/337.]([11]).

    ـ وأخيراً ما نشاهده من الغلو عند أضرحة ائمتهم، من الحج والطواف فيها([12]) والدعاء عندها وتقريب الذبائح والنذور لها، ما لا يجوز السكوت عنها من قبل علمائهم، فضلاً عن الدفاع عنها وعمن يرتكبها بحجة أنها تصرفات غير صحيحة من قبل بعض العوام.

    وهذه الأخيرة ستكون محل بحثنا في هذا الكتاب ، نسأل الله تعالى أن يجنبنا الزلل، ويوفقنا لما يحبه ويرضاه لنا ولأمة سيدنا محمد r . وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

    المحور الثالث: الصالحون يتبرؤون من الغالين:

    ذكرنا في المحور الأول، أن أول شرك حدث في الأرض كان سببه الغلو في الصالحين، وليس في المفسدين والطالحين من البشر. ولكن هذا الغلو كان مرفوضاً رفضاً قاطعاً من قبل الأنبياء وأولياء الله الصالحين.

    ولهذا نرى أن الغلو في الأنبياء والصالحين لم يقع في حياتهم، وإنما وقع بعد موتهم؛ وإذا حدث أن وقع الغلو فيهم في حياتهم، أو وصل إلى سمعهم شيء من هذا القبيل، كانوا من أشد الناس محاربة لهم.

    فهذا علي y لما غلا فيه عبدالله بن سبأ ومن تبعه نفى إبن سبأ إلى المدائن، وأحرق الغلاة الذين لم يرجعوا عن غلوهم فيه، وَخَدَّ لَهُمْ أَخَادِيدَ عِنْدَ بَابِ مَسْجِدِ بَنِي كِنْدَةَ وَقِيلَ إنَّهُ أَنْشَدَ :

    لَمَّا رَأَيْت الْأَمْرَ أَمْرًا مُنْكَرًا أَجَّجْت نَارِي وَدَعَوْت قنبرا

    وفي الوسائل للحر العاملي: عن مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْكَشِّيُّ فِي كِتَابِ الرِّجَالِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قُولَوَيْهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ الْعَبْدِيِّ عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ u قَالَ إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَبَإٍ كَانَ يَدَّعِي النُّبُوَّةَ وَكَانَ يَزْعُمُ أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ u هُوَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ فَبَلَغَ ذَلِكَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ u فَدَعَاهُ فَسَأَلَهُ فَأَقَرَّ وَقَالَ نَعَمْ أَنْتَ هُوَ وَقَدْ كَانَ أُلْقِيَ فِي رُوعِي أَنَّكَ أَنْتَ اللَّهُ وَأَنَا نَبِيٌّ فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ u وَيْلَكَ قَدْ سَخِرَ مِنْكَ الشَّيْطَانُ فَارْجِعْ عَنْ هَذَا ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ وَتُبْ فَأَبَى فَحَبَسَهُ وَاسْتَتَابَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَلَمْ يَتُبْ فَأَخْرَجَهُ فَأَحْرَقَهُ بِالنَّارِ الْحَدِيثَ.

    وكان رسول الله محمد r من أشد الناس تحذيراً لأمته لئلا يقع فيهم ما وقع عند اليهود والنصارى.

    جاء في تفسير الإمام الحسن العسكريّ (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) قال: كانَ رسولُ الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قاعـداً ذات يوم هو وعليّ (عليه السلام) إذ سمع قائلاً يقول: «ما شاءَ الله وشاءَ محمّد»، وسمع آخر يقول: «ما شاءَ الله وشاءَ عليّ». فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم):

    «لا تقرنوا محمّداً ولا عليّاً بالله عزّ وجلّ، ولكن قولوا: ما شاءَ الله، ثُمّ ما شاءَ محمّد... ما شاءَ الله، ثُمّ ما شاءَ عليّ. إنّ مشيئة الله هي القاهرة التي لا تُساوى ولا تُكافأ لا تُدانى...».]إثبات الهداة للحرّ العامليّ/3/767ـ768[13])()

    وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ( جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرَاجِعُهُ الْكَلَامَ فَقَالَ مَا شَاءَ اللَّهُ وَشِئْتَ فَقَالَ جَعَلْتَنِي لِلَّهِ عَدْلًا مَا شَاءَ اللَّهُ وَحْدَهُ) (مسند أحمد - (ج 7 / ص 110).

    وعند إبن ماجه عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ( قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا حَلَفَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَقُلْ مَا شَاءَ اللَّهُ وَشِئْتَ وَلَكِنْ لِيَقُلْ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ شِئْتَ) (سنن ابن ماجه - (ج 6 / ص 324).

    نعم كان رسول الله r على حذر شديد من أن لا يقع في أمته من الغلو الذي وقع في بني إسرائيل من عبادة العجل، وغلوهم في عيسى وعزير. ولهذا حذّر رسول الله r من الغلو في آثاره بعد موته :

    فقد جاء في وسائل الشيعة عن مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r : ( لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي قِبْلَةً وَلَا مَسْجِداً فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَعَنَ الْيَهُودَ حَيْثُ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ ) (وسائل‏الشيعة ج : 5 ص : 162).

    وَفِي الْعِلَلِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى بْنِ الْمُتَوَكِّلِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ حَرِيزٍ عَنْ زُرَارَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ u قَالَ قُلْتُ لَهُ الصَّلَاةُ بَيْنَ الْقُبُورِ قَالَ بَيْنَ خَلَلِهَا وَلَا تَتَّخِذْ شَيْئاً مِنْهَا قِبْلَةً فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ r نَهَى عَنْ ذَلِكَ وَقَالَ لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي قِبْلَةً وَلَا مَسْجِداً فَإِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ) (وسائل‏الشيعة ج : 5 ص : 162).

    وفي الصحيحين عن عَائِشَةَ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ قَالَا: لَمَّا نُزِلَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَفِقَ يَطْرَحُ خَمِيصَةً لَهُ عَلَى وَجْهِهِ فَإِذَا اغْتَمَّ كَشَفَهَا عَنْ وَجْهِهِ فَقَالَ وَهُوَ كَذَلِكَ : ( لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ يُحَذِّرُ مِثْلَ مَا صَنَعُوا ) (صحيح البخاري - (ج 2 / ص 215)و ( صحيح مسلم - (ج 3 / ص 126).

    وبهذا تعلم كم كان رسول الله r حريصاً على أن لا يقع في أمته ما وقع لدى اليهود والنصارى من الغلو في آثار الأنبياء، مما جعله آخر كلامه ـ بأبي هو وأمي ـ وهو على فراش الموت.





    «« توقيع ابو غسان »»

  2. #2
    عضو
    الحالة : ابو غسان غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 5223
    تاريخ التسجيل : Nov 2009
    الجنـس : رجل
    المشاركات : 3,405
    المذهب : سني
    التقييم : 52

     

     

    افتراضي


    الحقيقة الثانية

    لا إجتهاد في الشرك، وحق الله أولى بالإعتبار حمايةً لجناب التوحيد

    الإجتهاد في اللغة: بذل الوسع، وفي الاصطلاح: استفراغ الفقيه الوسع ليحصل له ظنٌّ بحكم شرعي؛ وبذل المجهود في طلب المقصود من جهة الاستدلال.([14])

    وإذا كان المسلمون بحاجة إلى إجتهاد في معرفة أحكام الوقائع والحوادث اللامتناهية المستجدة في حياتهم، والتي ليس فيها نص صريح من الكتاب والسنة، إلاّ أن الإجتهاد يجب أن لا يقع في أصل أصول الدين ، وهو عبادة الله تعالى وحده التي من أجلها أرسلت الرسل وأنزلت الكتب. والتي بينها القرآن الكريم في مئات الآيات، إذ لا إجتهاد في مورد النص.

    وإذا كان هنالك ثمة حاجة للإجتهاد في موضوع التوحيد والشرك، فيجب أن يقدم فيه حق الله تعالى على حقوق غيره، لما للشرك من خطر عظيم في الدنيا والآخرة، ولهذا فيجب على كل مَنْ يرغب بسلامة دينه أن يجتنب كل أمر دائر بين الجواز وعدمه في موضوع الشرك؛ أخذا بالحيطة لدينه؛ لقوله r : (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)([15])

    وقول الصادق u : ( لك أن تنظر الحزم وتأخذ الحائطة لدينك )([16])

    وفي الصحيحين عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ :سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ فَمَنْ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ. . ).([17])

    وَلِهَذَا لَمَّا كَانَ الْمُشْرِكُونَ يُخَوِّفُونَ إبْرَاهِيمَ الْخَلِيلَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ قَالَ لهم : ﴿ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (80) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾[الأنعام/80، 81]

    وإذا كان ثمة حاجة إلى إجتهاد فيجب على المجتهد أن يتحرى مواقع مرضات الله تعالى، لا أن يتحرى ما من شأنه أن ينقص من حق الله تعالى ومن خصائصه التي تميزه عن الخلق، ويعطيه إلى أنبياء الله تعالى وأوليائه، بزعم الإحترام والتقدير لأولياء الله الصالحين؛ وكأن إحترام وتقدير الصالحين لا يكون إلاّ بتنقيص رب العالمين!

    قبح الشرك معلوم بالعقل والفطرة:

    وإذا كانت الأدلة السمعية والنقلية متوافرة في وجوب توحيد الله تعالى، وإجتناب كل ما يظن أنه من الشرك، فإن قبح الشرك مستقر في العقول والفطر السليمة:

    قال العلامة إبن القيم:

    ( واعلم أنه إن لم يكن حسن التوحيد وقبح الشرك معلوما بالعقل مستقرا في الفطر فلا وثوق بشيء من قضايا العقل فإن هذه القضية من أجل القضايا البديهيات وأوضح ما ركب الله في العقول والفطر ولهذا يقول سبحانه عقيب تقرير ذلك أفلا تعقلون أفلا تذكرون وينفي العقل عن أهل الشرك ويخبر عنهم بأنهم يعترفون في النار أنهم لم يكونوا يسمعون ولا يعقلون وأنهم خرجوا عن موجب السمع والعقل وأخبر عنهم أنهم صم بكم عمي فهم لا يعقلون وأخبر عنهم إن سمعهم وأبصارهم وأفئدتهم لم تغن عنهم شيئا وهذا إنما يكون في حق من خرج عن موجب العقل الصريح والفطرة الصحيحة ولو لم يكن في صريح العقل ما يدل على ذلك لم يكن في قوله تعالى انظروا واعتبروا وسيروا في الأرض فانظروا فائدة فإنهم يقولون عقولنا لا تدل على ذلك وإنما هو مجرد إخبارك فما هذا النظر والتفكر والاعتبار والسير في الأرض وما هذه الأمثال المضروبة والأقيسة العقلية والشواهد العيانية أفليس في ذلك أظهر دليل على حسن التوحيد والشكر وقبح الشرك والكفر مستقر في العقول والفطر معلوم لمن كان له قلب حي وعقل سليم وفطرة صحيحة قال تعالى ﴿ وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ وقال تعالى﴿ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ وقال تعالى﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ وقال تعالى ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ وقال تعالى ﴿ ذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُون﴾ وقال تعالى ﴿ قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ وقال تعالى﴿ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾.)([18]).

    والفطرة التي فطر الله الناس عليها أصدق تعبير عن تعلق المخلوق بالخالق، وهذا شيء يجده الإنسان في نفسه إذا لم تفسد فطرته.

    ( في كتاب التوحيد وتفسير الإمام عليه السلام قال رجل للصادق عليه السلام : يابن رسول الله دلني على الله ما هو فقد أكثر عليّ المجادلون وحيروني فقال يا عبد الله هل ركبت سفينة قط ؟ قال : بلى ، قال : فهل كسرت بك حيث لا سفينة تنجيك ولا سباحة تغنيك ؟ قال : بلى قال : فهل تعلق قلبك هناك أن شيئا من الأشياء قادر على أن يخلصك من ورطتك ؟ قال : بلى . قال الصادق عليه السلام : فذاك الشيء هو الله القادر على الإنجاء حين لا منجي وعلى الإغاثة حين لا مغيث)([19]).





    «« توقيع ابو غسان »»

  3. #3
    عضو
    الحالة : ابو غسان غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 5223
    تاريخ التسجيل : Nov 2009
    الجنـس : رجل
    المشاركات : 3,405
    المذهب : سني
    التقييم : 52

     

     

    افتراضي


    الحقيقة الثالثة

    العمل بسد الذرائع أولى من الوقوع في الهلكة

    لما كان الشرك هو أكبر ذنب على الإطلاق([20])، وهو الذنب الذي لا يغفره الله تعالى، وجب على المسلم أن يبذل غاية جهده في أن يجتنب الوقوع فيه مهما كلفه الأمر، بل عليه أن يجتنب كل ما من شأنه أن يقربه من الشرك، أو يؤدي إليه، أو يوصله إلى ما يُشك أنه منه.

    قال العلامة إبن القيم:

    ( لما كانت المقاصد لا يتوصل إليها إلا بأسباب وطرق تفضي إليها كانت طرقها وأسبابها تابعة لها معتبرة بها فوسائل المحرمات والمعاصي في كراهتها والمنع منها بحسب إفضائها إلى غاياتها وارتباطاتها بها ووسائل الطاعات والقربات في محبتها والإذن فيها بحسب إفضائها إلى غايتها فوسيلة المقصود تابعة للمقصود وكلاهما مقصود لكنه مقصود قصد الغايات وهي مقصودة قصد الوسائل فإذا حرم الرب تعالى شيئا وله طرق ووسائل تفضي إليه فإنه يحرمها ويمنع منها تحقيقاً لتحريمه وتثبيتا له ومنعا أن يقرب حماه ولو أباح الوسائل والذرائع المفضية إليه لكان ذلك نقضا للتحريم وإغراء للنفوس به وحكمته تعالى وعلمه يأبي ذلك كل الإباء بل سياسة ملوك الدنيا تأبى ذلك فإن أحدهم إذا منع جنده أو رعيته أو أهل بيته من شيء ثم أباح له الطرق والأسباب والذرائع الموصلة إليه لعد متناقضا ولحصل من رعيته وجنده ضد مقصوده وكذلك الأطباء إذا أرادوا حسم الداء منعوا صاحبه من الطرق والذرائع الموصلة إليه وإلا فسد عليهم ما يرومون إصلاحه فما الظن بهذه الشريعة الكاملة التي هي في أعلى درجات الحكمة والمصلحة والكمال ومن تأمل مصادرها ومواردها علم أن الله تعالى ورسوله سد الذرائع المفضية إلى المحارم بأن حرمها ونهى عنها والذريعة ما كان وسيلة وطريقا إلى الشيء. .) ثم إستدل على منع ما يؤدي إلى الحرام بوجوه:

    الوجه الأول: قوله تعالى: ﴿ وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ فحرم الله تعالى سب آلهة المشركين مع كون السب غيظا وحمية لله وإهانة لآلهتهم لكونه ذريعة إلى سبهم لله تعالى وكانت مصلحة ترك مسبته تعالى أرجح من مصلحة سبنا لآلهتهم وهذا كالتنبيه بل كالتصريح على المنع من الجائز لئلا يكون سببا في فعل ما لا يجوز.

    الوجه الثاني: قوله تعالى: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ ﴾ [النور/31] فمنعهن من الضرب بالأرجل وإن كان جائزا في نفسه لئلا يكون سببا إلى سمع الرجال صوت الخلخال فيثير ذلك دواعي الشهوة منهم إليهن.

    الوجه الرابع: قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا ﴾ نهاهم سبحانه أن يقولوا هذه الكلمة مع قصدهم بها الخير لئلا يكون قولهم ذريعة إلى التشبه باليهود في أقوالهم وخطابهم فإنهم كانوا يخاطبون بها النبي صلى الله عليه وسلم ويقصدون بها السب يقصدون فاعلا من الرعونة فنهى المسلمون عن قولها سدا لذريعة المشابهة ولئلا يكون ذلك ذريعة إلى أن يقولها اليهود للنبي صلى الله عليه وسلم تشبها بالمسلمين يقصدون بها غير ما يقصده المسلمون.

    الوجه الثالث عشر: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بناء المساجد على القبور ولعن من فعل ذلك ونهى عن تجصيص القبور وتشريفها واتخاذها مساجد وعن الصلاة إليها وعندها وعن إيقاد المصابيح عليها وأمر بتسويتها ونهى عن اتخاذها عيدا وعن شد الرحال إليها لئلا يكون ذلك ذريعة إلى اتخاذها أوثانا والإشراك بها وحرم ذلك على من قصده ومن لم يقصده بل قصد خلافه سدا للذريعة.([21])

    الوجه الرابع عشر: أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها وكان من حكمة ذلك أنهما وقت سجود المشركين للشمس وكان النهي عن الصلاة لله في ذلك الوقت سدا لذريعة المشابهة الظاهرة التي هي ذريعة إلى المشابهة في القصد مع بعد هذه الذريعة فكيف بالذرائع القريبة.([22])

    الوجه الثالث والاربعون: انه صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد )([23]) وذم الخطيب الذي قال: من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن عصاهما فقد غوى سدا لذريعة التشريك في المعنى بالتشريك في اللفظ وحسما لمادة الشرك حتى في اللفظ ولهذا قال: للذي قال: له ما شاء الله وشئت : ( أجعلتني لله ندا ) فحسم مادة الشرك وسد الذريعة إليه في اللفظ كما سدها في الفعل والقصد فصلاة الله وسلامه عليه وعلى آله أكمل صلاة وأتمها وأزكاها وأعمها.

    الوجه الحادي والسبعون: أنه نهى عن التداوي بالخمر وإن كانت مصلحة التداوي راجحة على مفسدة ملابستها سدا لذريعة قربانها واقتنائها ومحبة النفوس لها فحسم عليها المادة حتى في تناولها على وجه التداوي وهذا من أبلغ سد الذرائع).([24])

    وقال الشيخ محمد حسين فضل الله في تفسير من ( وحي القرآن ) : وتحت عنوان ( الآية ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ﴾ [البقرة/219] في مستوى القاعدة الفقهية):

    (وقد نستطيع إستيحاء هذه الفقرة، لتكون قاعدةً فقهية تقتضي تحريم كلّ ما كان ضرره أكبر من نفعه، حتى لو لم يرد فيه نص، باعتبار أنَّ القضية قد تكون عقلية يحكم العقل بها، ويدرك وجود الملاك الشرعي للتحريم في مواردها، لقبح ارتكاب ما يكون ضرره أكثر من نفعه، لأنه ظلم للنفس على مستوى الحالة الفردية، وقد يكون ظلماً للمجتمع بما يحدثه من الأضرار الاجتماعية، كما أنها عقلائية من خلال السيرة العقلائية الجارية في أمورهم العامة على الخاصة على ترك ما كان ضرره أكثر من نفعه).

    هذا هو الفهم الصحيح لكل ما شأنه أن يحدث في الأمة من ضرر، فكيف إذا كان هذا الضرر واقعاً في حق الله I ، من مجاوزة تعظيم المخلوق على حق الله I ؟!

    وقال (عبد السّلام زين العابدين أبو مالك الموسوي )صاحب مراجعات في عصمة الأنبياء، وذلك رداً على التصرفات الخاطئة لعوام الشيعة عند مراقد الأئمة من دعائهم وطلبهم من الأئمة مباشرة:

    ( من الأفضل أنْ يكون السُّلوك منسجماً مَعَ عقيدةِ التوحيد حتّى في شكله التعبيري. وهذا ما نبّه إليه أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) أنفسُهُم في موارد عديدة. فقد جاءَ بخصوص بعض التعابير المتعارفة في أوساط النّاس ـ كقولنا: «لولا فلان لهلكتُ»، أو «لولا فلان لضاعَ عيالي»، أو القسم بحياة الآخَر بقـولنا: «لا وحياتِك»، وأمثال هذهِ التعابير الدّارجة ـ أنها من مصاديق الشِّرك في قولِهِ تعالى: ﴿ ومَا يُؤمِنُ أكثرهُم بِالله إِلاَّ وهُم مُشرِكون﴾ ]يوسف/106[.

    فقد روى العيّاشي في تفسيره عن مالك بن عطيّة، عن أبي عبدالله (عليه السلام) في الآية، قال:

    «هو الرّجل يقول: لولا فلان لهلكتُ، ولولا فلان لأصبتُ كذا وكذا، ولضاع عيالي، ألا ترى أنهُ قد جعل لله شريكاً في ملكه يرزقه ويدفع عنه؟».

    وهنا سأل مالك بن عطيّة الإمام الصّادق (عليه السلام)، لو أنّ الرّجل يقول: «لولا أن منَّ اللهُ عليَّ بفلان لهلكتُ». فقال الإمام (عليه السلام): «نعم، لا بأس بهذا».

    ورواية اُخرى، في تفسير العيّاشي أيضاً، عن زرارة بن أعين، قال:

    سألتُ أبا جعفر ( الإمام الباقر (عليه السلام) ) عن قول الله: ﴿ ومَا يُؤمِنُ أكثرهُم بِالله إِلاَّ وهُم مُشرِكون﴾، قال (عليه السلام): «من ذلك قول الرجل: لا وحياتِك».

    يعلِّق العلاّمة الطباطبائي في تفسيره (الميزان) على الرواية الثانية بقوله:

    «يعني القسم بغير الله لما فيه من تعظيمه بما لا يسـتحقّه بذاته، والأخبار في هذه المعاني كثيرة». ]الميزان/11/281[([25]).

    وفي بحار الأنوار للمجلسي عن أبي سعيد الزهري عن أبي جعفر أو عن أبي عبد الله u قال: ( الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة ).

    فكل هذا يعني تغليب جانب التوحيد الذي هو حق الله I على حق العبيد. لأن الإنسان سيسأل عن حق الله، أما حقوق الأنبياء والأولياء فعلى فرض مزاحمتها لحقوق الله تعالى، فالواجب الإخلال بها، حماية لجناب التوحيد.

    على أنني أؤكد أنه لا تزاحم بين حق الله تعالى ( التوحيد ) وحق الأنبياء والأولياء في الإحترام والتقدير.





    «« توقيع ابو غسان »»

  4. #4
    عضو
    الحالة : ابو غسان غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 5223
    تاريخ التسجيل : Nov 2009
    الجنـس : رجل
    المشاركات : 3,405
    المذهب : سني
    التقييم : 52

     

     

    افتراضي


    الحقيقة الرابعة

    العبادات مبناها على الإتباع، فلا نعبد إلا الله، ولا نعبده إلاّ بما شرع

    فالعبادات توقيفية مبناها على الإتباع لا على الهوى والإبتداع، لأن الله تعالى أكمل دينه ، والرسول r أمر أمته كل ما يقربهم إلى الجنة ، ونهاهم عن كل ما يدخلهم النار، بحيث لم يبق لأحد أن يبتدع عبادة تقربه من الجنة.

    فعلى هذا الأساس، نهى رسول الله r عن البدع.

    روى الكافي عَنِ الْفَضْلِ بْنِ شَاذَانَ رَفَعَهُ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ u قَالَا : ( كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ وَكُلُّ ضَلَالَةٍ سَبِيلُهَا إِلَى النَّارِ).

    وفي نهج البلاغة عن علي u : ( مَا أُحْدِثَتْ بِدْعَةٌ إِلَّا تُرِكَ بِهَا سُنَّةٌ فَاتَّقُوا الْبِدَعَ وَالْزَمُوا الْمَهْيَعَ إِنَّ عَوَازِمَ الْأُمُورِ أَفْضَلُهَا وَإِنَّ مُحْدِثَاتِهَا شِرَارُهَا).

    وفيه أيضاً عنه u : (وَإِنَّمَا النَّاسُ رَجُلَانِ مُتَّبِعٌ شِرْعَةً وَمُبْتَدِعٌ بِدْعَةً لَيْسَ مَعَهُ مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ بُرْهَانُ سُنَّةٍ وَلَا ضِيَاءُ حُجَّةٍ ).

    وفي الوسائل للحر العاملي عَنْ عَلِيٍّ u قَالَ : ( اقْتِصَادٌ فِي سُنَّةٍ خَيْرٌ مِنِ اجْتِهَادٍ فِي بِدْعَةٍ ثُمَّ قَالَ تَعَلَّمُوا مِمَّنْ عَلِمَ فَعَمِلَ).

    وقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ( فَإِنَّ الْإِسْلَامَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ نَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ .

    وَالثَّانِي : أَنْ نَعْبُدَهُ بِمَا شَرَعَهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا نَعْبُدَهُ بِالْأَهْوَاءِ وَالْبِدَعِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ﴿ ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ إنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ﴾ الْآيَةَ. وَقَالَ تَعَالَى : ﴿ أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ﴾. فَلَيْسَ لِأَحَدِ أَنْ يَعْبُدَ اللَّهَ إلَّا بِمَا شَرَعَهُ رَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ وَاجِبٍ وَمُسْتَحَبٍّ لَا يَعْبُدُهُ بِالْأُمُورِ الْمُبْتَدَعَةِ كَمَا ثَبَتَ فِي السُّنَنِ مِنْ حَدِيثِ العرباض بْنِ سَارِيَةَ " قَالَ " التِّرْمِذِيُّ " : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . وَفِي مُسْلِمٍ " أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ : { خَيْرُ الْكَلَامِ كَلَامُ اللَّهِ وَخَيْرُ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ }.([26]) (مجموع فتاوى ابن تيمية - (ج 1 / ص 12).

    فالله I يريد أن يُطاع من حيث يريد هو، لا بما يشتهيه العبد ويبتدعه من العبادات التي لا تتوافق إلاّ مع هوى نفسه.

    روى المجلسي ( بالإسناد إلى الصدوق عن أبيه عن سعد عن ابن يزيد عن ابن أبي عمير عن هشام عن الصادق u قال أمر إبليس بالسجود لآدم فقال يا رب وعزتك إن أعفيتني من السجود لآدم لأعبدنك عبادة ما عبدك أحد قط مثلها قال الله جل جلاله: إني أحب أن أطاع من حيث أريد)([27]).





    «« توقيع ابو غسان »»

  5. #5
    عضو
    الحالة : ابو غسان غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 5223
    تاريخ التسجيل : Nov 2009
    الجنـس : رجل
    المشاركات : 3,405
    المذهب : سني
    التقييم : 52

     

     

    افتراضي


    الحقيقة الخامسة

    لا حق لأحد على الله تعالى

    سنتناول هذه الحقيقة في أربعة محاور:

    المحور الأول: حق الله على العباد:

    في كتاب التوحيد للصدوق: عن معاذ بن جبل قال كنت رديف النبي r فقال: ( يا معاذ هل تدري ما حق الله عز وجل على العباد يقولها ثلاثا؟) قال: قلت: الله ورسوله أعلم فقال رسول الله: ( حق الله عز وجل على العباد أن لا يشركوا به شيئا) ثم قال r : ( هل تدري ما حق العباد على الله عز وجل إذا فعلوا ذلك؟) قال: قلت: الله ورسوله أعلم قال: ( أن لا يعذبهم أو قال أن لا يدخلهم النار).

    وهذا الحديث في الصحيحين أيضاً: عَنْ مُعَاذٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( يَا مُعَاذُ أَتَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ ؟ قُلْت : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ : ( حَقُّهُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا . يَا مُعَاذُ أَتَدْرِي مَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ إذَا فَعَلُوا ذَلِكَ ؟ قُلْت اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ : حَقُّهُمْ عَلَيْهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ).

    وفي الكافي: عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ u قَالَ أَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى آدَمَ u أَنِّي سَأَجْمَعُ لَكَ الْكَلَامَ فِي أَرْبَعِ كَلِمَاتٍ. قَالَ يَا رَبِّ وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: وَاحِدَةٌ لِي وَوَاحِدَةٌ لَكَ وَوَاحِدَةٌ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَكَ وَوَاحِدَةٌ فِيمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ النَّاسِ قَالَ يَا رَبِّ بَيِّنْهُنَّ لِي حَتَّى أَعْلَمَهُنَّ قَالَ أَمَّا الَّتِي لِي فَتَعْبُدُنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئاً وَأَمَّا الَّتِي لَكَ فَأَجْزِيكَ بِعَمَلِكَ أَحْوَجَ مَا تَكُونُ إِلَيْهِ وَأَمَّا الَّتِي بَيْنِي وَبَيْنَكَ فَعَلَيْكَ الدُّعَاءُ وَعَلَيَّ الْإِجَابَةُ وَأَمَّا الَّتِي بَيْنَكَ وَبَيْنَ النَّاسِ فَتَرْضَى لِلنَّاسِ مَا تَرْضَى لِنَفْسِكَ وَتَكْرَهُ لَهُمْ مَا تَكْرَهُ لِنَفْسِكَ.

    قال شيخ الإسلام إبن تيمية وهو يقرر أنه لا حق لأحد من الخلق على الله تعالى إلاّ ما أوجبه هو على نفسه قائلاً : ( وذلك أَنَّ النُّفُوسَ الْجَاهِلِيَّةَ تَتَخَيَّلُ أَنَّ الْإِنْسَانَ بِعِبَادَتِهِ وَعِلْمِهِ يَصِيرُ لَهُ عَلَى اللَّهِ حَقٌّ مِنْ جِنْسِ مَا يَصِيرُ لِلْمَخْلُوقِ عَلَى الْمَخْلُوقِ كَاَلَّذِينَ يَخْدِمُونَ مُلُوكَهُمْ وَمُلَّاكَهُمْ فَيَجْلِبُونَ لَهُمْ مَنْفَعَةً وَيَدْفَعُونَ عَنْهُمْ مَضَرَّةً وَيَبْقَى أَحَدُهُمْ يَتَقَاضَى الْعِوَضَ وَالْمُجَازَاةَ عَلَى ذَلِكَ وَيَقُولُ لَهُ عِنْدَ جَفَاءٍ أَوْ إعْرَاضٍ يَرَاهُ مِنْهُ : أَلَمْ أَفْعَلْ كَذَا ؟ يَمُنُّ عَلَيْهِ بِمَا يَفْعَلُهُ مَعَهُ وَإِنْ لَمْ يَقُلْهُ بِلِسَانِهِ كَانَ ذَلِكَ فِي نَفْسِهِ . وَتَخَيُّلُ مِثْلِ هَذَا فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ جَهْلِ الْإِنْسَانِ وَظُلْمِهِ وَلِهَذَا بَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّ عَمَلَ الْإِنْسَانِ يَعُودُ نَفْعُهُ عَلَيْهِ وَأَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْخَلْقِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿ إنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ﴾ وقَوْله تَعَالَى ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾ وقَوْله تَعَالَى ﴿ إنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ ﴾ وقَوْله تَعَالَى ﴿ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ ﴾ وَقَالَ تَعَالَى : فِي قِصَّةِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ ﴿ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ﴾ ﴿ وَقَالَ مُوسَى إنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾ وَقَالَ تَعَالَى : ﴿ وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا ﴾ وَقَالَ تَعَالَى : ﴿ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ﴾ . وَقَدْ بَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ الْمَانُّ بِالْعَمَلِ فَقَالَ تَعَالَى : ﴿ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ وَقَالَ تَعَالَى : ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ . وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الْإِلَهِيِّ : ( يَا عِبَادِي إنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي . يَا عِبَادِي إنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا وَلَا أُبَالِي فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ . يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا . يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا . يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْت كُلَّ إنْسَانٍ مِنْهُمْ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ )([28]).

    المحور الثاني: الفرق بين الخالق والمخلوق:

    تحدث شيخ الإسلام رحمه الله تعالى عن الفرق بين الخالق والمخلوق فقال: ( وَبَيْنَ الْخَالِقِ تَعَالَى وَالْمَخْلُوقِ مِنْ الْفُرُوقِ مَا لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ لَهُ أَدْنَى بَصِيرَةٍ . ( مِنْهَا أَنَّ الرَّبَّ تَعَالَى غَنِيٌّ بِنَفْسِهِ عَمَّا سِوَاهُ وَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ مُفْتَقِرًا إلَى غَيْرِهِ بِوَجْهِ مِنْ الْوُجُوهِ . وَالْمُلُوكُ وَسَادَةُ الْعَبِيدِ مُحْتَاجُونَ إلَى غَيْرِهِمْ حَاجَةً ضَرُورِيَّةً . و( مِنْهَا أَنَّ الرَّبَّ تَعَالَى وَإِنْ كَانَ يُحِبُّ الْأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ وَيَرْضَى وَيَفْرَحُ بِتَوْبَةِ التَّائِبِينَ فَهُوَ الَّذِي يَخْلُقُ ذَلِكَ وَيُيَسِّرُهُ فَلَمْ يَحْصُلْ مَا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ إلَّا بِقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ . وَهَذَا ظَاهِرٌ عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ الَّذِينَ يُقِرُّونَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُنْعِمُ عَلَى عِبَادِهِ بِالْإِيمَانِ بِخِلَافِ الْقَدَرِيَّةِ . وَالْمَخْلُوقُ قَدْ يَحْصُلُ لَهُ مَا يُحِبُّهُ بِفِعْلِ غَيْرِهِ . وَ( مِنْهَا أَنَّ الرَّبَّ تَعَالَى أَمَرَ الْعِبَادَ بِمَا يُصْلِحُهُمْ وَنَهَاهُمْ عَمَّا يُفْسِدُهُمْ كَمَا قَالَ قتادة : إنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْ الْعِبَادَ بِمَا أَمَرَهُمْ بِهِ لِحَاجَتِهِ إلَيْهِمْ وَلَا يَنْهَاهُمْ عَمَّا نَهَاهُمْ عَنْهُ بُخْلًا عَلَيْهِمْ بَلْ أَمَرَهُمْ بِمَا يَنْفَعُهُمْ وَنَهَاهُمْ عَمَّا يَضُرُّهُمْ . بِخِلَافِ الْمَخْلُوقِ الَّذِي يَأْمُرُ غَيْرَهُ بِمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ وَيَنْهَاهُ عَمَّا يَنْهَاهُ بُخْلًا عَلَيْهِ . وَهَذَا أَيْضًا ظَاهِرٌ عَلَى مَذْهَبِ السَّلَفِ وَأَهْلِ السُّنَّةِ الَّذِينَ يُثْبِتُونَ حِكْمَتَهُ وَرَحْمَتَهُ وَيَقُولُونَ : إنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ الْعِبَادَ إلَّا بِخَيْرِ يَنْفَعُهُمْ وَلَمْ يَنْهَهُمْ إلَّا عَنْ شَرٍّ يَضُرُّهُمْ ؛ بِخِلَافِ الْمُجَبِّرَةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ : إنَّهُ قَدْ يَأْمُرُهُمْ بِمَا يَضُرُّهُمْ وَيَنْهَاهُمْ عَمَّا يَنْفَعُهُمْ . وَ( مِنْهَا أَنَّهُ سُبْحَانَهُ هُوَ الْمُنْعِمُ بِإِرْسَالِ الرُّسُلِ وَإِنْزَالِ الْكُتُبِ وَهُوَ الْمُنْعِمُ بِالْقُدْرَةِ وَالْحَوَاسِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا بِهِ يَحْصُلُ الْعِلْمُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ وَهُوَ الْهَادِي لِعِبَادِهِ فَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِهِ . وَلِهَذَا قَالَ أَهْلُ الْجَنَّةِ : ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ ﴾ وَلَيْسَ يَقْدِرُ الْمَخْلُوقُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ .

    وَ( مِنْهَا أَنَّ نِعَمَهُ عَلَى عِبَادِهِ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ تُحْصَى فَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ الْعِبَادَةَ جَزَاءُ النِّعْمَةِ لَمْ تَقُمْ الْعِبَادَةُ بِشُكْرِ قَلِيلٍ مِنْهَا فَكَيْفَ وَالْعِبَادَةُ مِنْ نِعْمَتِهِ أَيْضًا . وَ( مِنْهَا أَنَّ الْعِبَادَ لَا يَزَالُونَ مُقَصِّرِينَ مُحْتَاجِينَ إلَى عَفْوِهِ وَمَغْفِرَتِهِ فَلَنْ يَدْخُلَ أَحَدٌ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ وَمَا مِنْ أَحَدٍ إلَّا وَلَهُ ذُنُوبٌ يَحْتَاجُ فِيهَا إلَى مَغْفِرَةِ اللَّهِ لَهَا : ﴿ وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ ﴾ وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَنْ يَدْخُلَ أَحَدٌ مِنْكُمْ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ } لَا يُنَاقِضُ قَوْله تَعَالَى ﴿ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ . فَإِنَّ الْمَنْفِيَّ نُفِيَ بِبَاءِ الْمُقَابَلَةِ وَالْمُعَاوَضَةِ كَمَا يُقَالُ بِعْت هَذَا بِهَذَا وَمَا أُثْبِتَ أُثْبِتَ بِبَاءِ السَّبَبِ فَالْعَمَلُ لَا يُقَابِلُ الْجَزَاءَ وَإِنْ كَانَ سَبَبًا لِلْجَزَاءِ وَلِهَذَا مَنْ ظَنَّ أَنَّهُ قَامَ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِ وَأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى مَغْفِرَةِ الرَّبِّ تَعَالَى وَعَفْوِهِ فَهُوَ ضَالٌّ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { لَنْ يَدْخُلَ أَحَدٌ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ قَالُوا : وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ وَلَا أَنَا إلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَةِ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَرُوِيَ بِمَغْفِرَتِهِ } وَمِنْ هَذَا أَيْضًا الْحَدِيثُ الَّذِي فِي السُّنَنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { إنَّ اللَّهَ لَوْ عَذَّبَ أَهْلَ سَمَوَاتِهِ وَأَهْلَ أَرْضِهِ لَعَذَّبَهُمْ وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لَهُمْ . وَلَوْ رَحِمَهُمْ لَكَانَتْ رَحْمَتُهُ لَهُمْ خَيْرًا مِنْ أَعْمَالِهِمْ } الْحَدِيثَ .

    وَمَنْ قَالَ : بَلْ لِلْمَخْلُوقِ عَلَى اللَّهِ حَقٌّ فَهُوَ صَحِيحٌ إذَا أَرَادَ بِهِ الْحَقَّ الَّذِي أَخْبَرَ اللَّهُ بِوُقُوعِهِ فَإِنَّ اللَّهَ صَادِقٌ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ وَهُوَ الَّذِي أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ بِحِكْمَتِهِ وَفَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ وَهَذَا الْمُسْتَحِقُّ لِهَذَا الْحَقِّ إذَا سَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى بِهِ يَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى إنْجَازَ وَعْدِهِ أَوْ يَسْأَلُهُ بِالْأَسْبَابِ الَّتِي عَلَّقَ اللَّهُ بِهَا الْمُسَبَّبَاتِ كَالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ فَهَذَا مُنَاسِبٌ وَأَمَّا غَيْرُ الْمُسْتَحِقِّ لِهَذَا الْحَقِّ إذَا سَأَلَهُ بِحَقِّ ذَلِكَ الشَّخْصِ فَهُوَ كَمَا لَوْ سَأَلَهُ بِجَاهِ ذَلِكَ الشَّخْصِ وَذَلِكَ سُؤَالٌ بِأَمْرِ أَجْنَبِيٍّ عَنْ هَذَا السَّائِلِ لَمْ يَسْأَلْهُ بِسَبَبِ يُنَاسِبُ إجَابَةَ دُعَائِهِ)([29]).

    وقال أيضاً : ( وقد اتفق العلماء على وجوب ما يجب بوعده الصادق، وتنازعوا: هل يوجب بنفسه على نفسه؟ على قولين. ومن جوز ذلك احتج بقوله سبحانه: ﴿ كتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ﴾ وبقوله في الحديث الصحيح: "إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً" والكلام على هذا مبسوط في موضع آخر.

    وأما الإيجاب عليه سبحانه وتعالى، والتحريم بالقياس على خلقه، فهذا قول القدرية، وهو قول مبتدع مخالف لصحيح المنقول وصريح المعقول، وأهل السنة متفقون على أنه سبحانه خالق كل شيء ومليكه، وأن ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأن العباد لا يوجبون عليه شيئا، ولهذا كان من قال من أهل السنة بالوجوب، قال: إنه كتب على نفسه، وحرم على نفسه لا أن العبد نفسه يستحق على الله شيئا، كما يكون للمخلوق على المخلوق، فإن الله هو المنعم على العباد بكل خير، فهو الخالق لهم، وهو المرسل إليهم الرسل، وهو الميسر لهم الإيمان، والعمل الصالح ومن توهم من القدرية، والمعتزلة ونحوهم أنهم يستحقون عليه من جنس ما يستحقه الأجير على من استأجره فهو جاهل في ذلك.

    وإذا كان كذلك لم تكن الوسيلة إليه إلا بما منَّ به من فضله وإحسانه، والحق الذي لعباده هو من فضله وإحسانه، ليس من باب المعاوضة، ولا من باب ما أوجبه غيره عليه، فإنه سبحانه هو يتعالى عن ذلك)([30]).

    فمع كل هذه الفروق الواضحة البينة بين الله تعالى الخالق وبين مَنْ هو من دونه من المخلوقات بما فيهم الأنبياء والأولياء؛ يأتي مَنْ يشتبه عليه الأمر لينتزع بعض خصائص الله تعالى ليعطيها إلى مخلوقاته من الأنبياء والصالحين بحجة إحترام وتقدير عظماء الإسلام!

    والكلام في حق الله تعالى يجرنا إلى الكلام في حقوق الأنبياء والمرسلين، وحق الأولياء الصالحين، بل للمسلم على المسلم حقوق، منها حق الإسلام ، ومنها حق الوالدين ، ومنها حق الجيرة. . إلخ.

    المحور الثالث: حقوق رسول الله r على المسلمين:

    أما عن حقوق سيدنا المصطفى محمد r فله حقوق على المسلمين يمكن أن نوجز أهمها بما يلي:

    · وجوب الإيمان به، إذْ لَا يَتِمُّ الْإِيمَانُ بِاَللَّهِ بِدُونِ الْإِيمَانِ بِهِ وَلَا تَحْصُلُ النَّجَاةُ وَالسَّعَادَةُ بِدُونِهِ إذْ هُوَ الطَّرِيقُ إلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ ؛ وَلِهَذَا كَانَ رُكْنَا الْإِسْلَامِ : " أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ " وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْإِيمَانَ هُوَ الْإِقْرَارُ ؛ لَا مُجَرَّدُ التَّصْدِيقِ .

    · حبه وتقديم محبته على محبة سواه إلاّ الله تعالى. قال تعالى: ﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾ [التوبة/24].

    · إنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم، قال تعالى: ﴿ النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ . . ﴾ [الأحزاب/6].

    · النصح لله ولرسوله ولعامة المسلمين. عن تميم الداري أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( الدِّينُ النَّصِيحَةُ قُلْنَا لِمَنْ قَالَ لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ )(صحيح مسلم - (ج 1 / ص 182)

    · أن لا يتقدم بين يديه بأمر ولا نهي، وعدم رفع الصوت بحضرته حياً وميتاً، وعدم مناداته بإسمه، بل يُنادى بـ( يا رسول الله، أو يا نبي الله ). قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (1) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ﴾ [الحجرات/1، 2]. وقال: ﴿ لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [النور/63].

    · تعزيره وتوقيره حياً وميتا. قال الله تعالى:﴿ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [الأعراف/157]. وقال: ﴿ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ﴾ [الفتح/9].

    · وجوب طاعته وإتباعه في كل ما يأمر به، وينهى عنه. قال تعالى: ﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [النساء/65]. وقال: ﴿ إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [النور/51].

    · وجوب الصلاة والسلام عليه في الصلاة، وعند الدخول إلى المسجد، وعند الخروج منه ، وكلما ذكر إسمه، وفي كل مجلس.

    ولربما هنالك حقوق أخرى له r على المسلمين، ولكن الغرض ليس إحصاء تلك الحقوق؛ إنما لمعرفة ما يميز حقوق الله تعالى عن حقوق الأنبياء والرسل.

    وأما المؤمنون وولاة الأمور من العلماء والأمراء ومن يدخل في ذلك من المشايخ والملوك فلهم حقوق بحسب ما يقومون به من الدين فيطاعون في طاعة الله ويجب لهم من النصيحة والمعاونة على البر والتقوى وغير ذلك ما هو من حقوقهم لعموم المؤمنين أيضا من المناصحة والموالاة وغيرها من الحقوق ما دل عليه الكتاب والسنة.

    وأما عن حق المسلم على أخيه المسلم، ففي الصحيحين عن أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ خَمْسٌ رَدُّ السَّلَامِ وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ وَاتِّبَاعُ الْجَنَائِزِ وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ).

    وبهذا يبين لنا أنه ليس في حقوق النبي r ولا في حقوق غيره حق يوجب أو يستحب أن يستغيث به الناس، ولا أن يدعوه من دون الله، ولا أن يتوجهوا إليه بطلب، أو إستعانة، أو . . أو . . إلخ؛ بل هذا كله حق خالص لله، فمن صرفه لغير الله فقد ظلم الله تعالى حقه.

    المحور الرابع: فضل الله تعالى على الأنبياء والأولياء:

    ومع كل هذه الحقوق التي ذكرناها للأنبياء، يبقى النبي كسائر مخلوقات الله تعالى في حدود كونه عبداً لله، مخلوقاً مربوباً له تعالى. بل أشرف منازل النبي أن يكون عبداً لله، وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ فَقُولُوا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ } وَلِهَذَا حَقَّقَ اللَّهُ لَهُ نَعْتَ الْعُبُودِيَّةِ فِي أَرْفَعِ مَقَامَاتِهِ حَيْثُ قَالَ: ﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا ﴾. وَقَالَ تَعَالَى:﴿ فَأَوْحَى إلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾. وَقَالَ تَعَالَى:﴿ وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا ﴾.

    وكذلك فإن نبي الله عيسى u كان أول ما تكلم به في المهد أنه قال: ﴿ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آَتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا ﴾ [مريم/30] ولما غلا فيه النصارى، بين الله تعالى أن عيسى إنما هو عبد من عبيد الله تعالى، وأنه لن يستنكف عن عبادته، فقال: ﴿ لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا ﴾ [النساء/172].

    وهكذا أولياء الله تعالى، كانوا من أشد الناس نهياً أن ينسبوا إلى شيء ولو يسير من الألوهية أو الربوبية؛ فقد جاء في رجال الكشي أن جعفر الصادق u قال: ( فوالله ما نحن إلا عبيد الذي خلقنا واصطفانا، ما نقدر على ضرّ ولا نفع، وإن رحمنا فبرحمته، وإنّ عذّبنا فبذنوبنا، والله ما لنا على الله حجّة، ولا معنا من الله براءة، وإنّا لميّتون ومقبورون ومنشورون ومبعوثون وموقوفون ومسئولون، ويلهم! ما لهم لعنهم الله فقد آذوا الله وآذوا رسوله صلى الله عليه وسلم في قبره، وأمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين وعلي بن الحسين ومحمد بن علي صلوات الله عليهم.. أشهدكم أنّي امرؤ ولدني رسول الله صلى الله عليه وسلم وما معي براءة من الله، إن أطعته رحمني، وإن عصيته عذّبني عذابًا شديدًا).

    وفي رواية أخرى فيه عن أبي عبد الله (u) قال: لعن الله المغيرة بن سعيد إنه كان يكذب على أبي فأذاقه الله حرّ الحديد، لعن الله من قال فينا ما لا نقوله في أنفسنا ولعن الله من أزالنا عن العبودية لله الذي خلقنا وإليه مآبنا ومعادنا وبيده نواصينا).

    فكل الوجود ـ بما فيهم الأنبياء والأولياء ـ مفتقر إلى الله تعالى، ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ﴾ [فاطر/15] .

    وبعد هذا فأين حق الأنبياء والأولياء على الله تعالى حتى يكون هذا الحق حقاًّ وسبباً ووسيلةً إلى الطلب من الله تعالى ؟ ولأي سبب يتوجه البعض من المسلمين إلى غير الله تعالى في طلب السؤال وقضاء الحوائج؟ ولأي سبب يسمون الإمام موسى الكاظم بـ( باب الحوائج )؟ وهل هذا يعني أن الله تعالى لا يقضي الحوائج إلاّ عن طريق الكاظم؟

    وماذا يحدث لو أن المسلمين سألوا الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العليا، ولم يسألوا الله تعالى بحق الأنبياء والأولياء؟ هل أن الله تعالى سيغضب عليهم؟ أم أن الولي ( يزعل ) عليهم؟

    إن علماء الشيعة كثيراً ما يذكرون في كتاباتهم، أن الإستعانة بالنبي أو الولي أو دعاءه مباشرة، أو التوسل به إنما هو من تعظيم شعائر الله تعالى وأنه تعظيم وإحترام للولي، بشرط أن لا يعتقد أن المستعان إله، أو رب، أو مفوض إليه بعض مراتب التدبير والربوبية.

    ولا يخفى بطلان هذا الكلام على كل ذي عقل وبصيرة! وكأن الدعاء أو الإستعانة أو التوسل من حقوق النبي أو الولي, وليس من حق الله تعالى الخالص: ﴿ إيّاكَ نَعبُدُ وإيّاكَ نَستَعين﴾، ﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾ [الأعراف/180] }، ﴿ أَمْ مَنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ ﴾[النمل/62].

    فإذا كان صرف حق الله تعالى للأنبياء والأولياء، هو من باب التعظيم والإحترام، فكيف إذن هو الشرك؟

    يقول الشيخ محمد حسين فضل الله :

    (نحبّ أن نوجّه الانتباه إلى أنَّ التقاليد المتّبعة لدى العوام من المسلمين في تعظيم الأنبياء والأولياء وفي زيارة قبورهم قد تتخذ اتجاهاً خطيراً في خطّ الانحراف في التصوّر والممارسات، وذلك من خلال الجانب الشعوري الذي يترك تأثيره على الانفعالات الذاتية في الحالات المتنوّعة التي قد تدفع إلى المزيد من الممارسات المنحرفة في غياب الضوابط الفكرية التربوية، في ما ينطلق به التوجيه الإسلامي للحدود التي يجب الوقوف عندها من خلال طبيعة الحقائق الواقعية للعقيدة، لأنه لا يكفي، في استقامة العقيدة، أن لا يكون هناك دليل مانعٌ من عملٍ معيّنٍ، أو من كلماتٍ خاصةٍ، أو من طقوسٍ متنوّعةٍ، بل لا بُدَّ من الانفتاح على العناصر القرآنية للفكرة العقيدية، والأجواء المحيطة بها، والروحية المميّزة المتحركة في طبيعتها، حتى لا تختلط مظاهر الاحترام بين ما يقدَّم للخالق وما يقدَّم للمخلوق، بقطع النظر عمّا إذا كان ذلك شركاً أو كفراً، أو لم يكن. ولاسيما إذا عرفنا أنَّ الشعوب قد يقلّد بعضها بعضاً في الكثير من الطقوس والعادات في مظاهر الاحترام والتعظيم، ما قد يؤدي إلى التأثر الشعبي ببعض التقاليد الموجودة لدى بعض الشعوب غير الإسلامية التي قد تشتمل على العناصر الفكرية أو الروحية البعيدة عن فكر الإسلام وروحه.

    إنَّ هناك نوعاً من التوازن في الحدود النفسية للارتباط الروحي بالأشخاص، من حيث الشكل أو المضمون، لا بُدَّ للمسلم من مراعاته من أجل الاحتفاظ بالأصالة الفكرية التوحيدية في خطّ الانفتاح على اللّه بما لا ينفتح به على غيره، أو في طبيعة الدعوة إلى اللّه بما لا يدعو به إلى غيره، لإبقاء الصفاء العقيدي في العمق الشعوري الروحي للإنسان المسلم، لأنَّ ذلك هو السبيل الأمثل للاستقامة على الخطّ المستقيم، لأننا لا نريد أن نصل في استغراقنا العاطفي إلى لونٍ من ألوان عبادة الشخصية في ما تتحرّك به مشاعر العاطفة بعيداً عن رقابة العقل، الأمر الذي يدفعنا إلى أن نتحمّل مسؤولياتنا في الساحة الفكرية، لنراقب طبيعة الأساليب الشعبية في ذلك كلّه؛ لنبقى من خلال المراقبة الدقيقة في مواقع التوازن الفكري والروحي في خط العقيدة)([31]).





    «« توقيع ابو غسان »»

  6. #6
    عضو
    الحالة : ابو غسان غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 5223
    تاريخ التسجيل : Nov 2009
    الجنـس : رجل
    المشاركات : 3,405
    المذهب : سني
    التقييم : 52

     

     

    افتراضي


    الغلو في الأنبياء والأولياء، أسبابه ونتائجه

    مما لا شك فيه أن الغلو في الأنبياء والصالحين له تأثير سلبي على عقيدة الإنسان وسلوكه في الحياة الدنيا، وعلى عاقبته ومصيره يوم القيامة.

    ذلك أن الغلو إنما ينشأ عن التعلق بالصالحين، والإعتقاد فيهم أن لهم جاهاً ومنزلة عند الله تعالى بما يؤثر على إرادة الله تعالى، بحيث لا يرد له طلب. فبمجرد الإلتجاء إلى الولي الصالح، فإنه سيتحرك بأقصى ما يستطيع لينقذ الذي لجأ إليه من عذاب الله؛ أو لا ينفك يتوسل بالله تعالى حتى يحقق له طلبه.

    هذا هو إعتقاد الذين يلجأون إلى الأولياء ويطلبون منهم قضاء حوائجهم. فهو إعتقاد ناشيء عن سوء الظن بالله تعالى.

    ما قدروا الله حق قدره حينما ظنوا أن الله تعالى لا يرحم عباده حتى يستشفع إليه بأحد من خلقه.

    ما قدروا الله تعالى حق قدره حينما إعتقدوا أن الأولياء أرحم بالخلق من الخالق.

    ما قدروا الله تعالى حق قدره حينما إعتقدوا أن الله تعالى لا يقبل توبة العبد إلاّ بتوسط الأولياء والصالحين.

    صاحب هذا المعتقد يرتبط ويتعلق بالأولياء أكثر من تعلقه بالله تعالى. فتراه يتوجه في كل صغيرة وكبيرة، وفي كل شأن من شؤونه إلى الأولياء، وينسى أن له رباًّ سميعاً بصيراً عالماً بالسر والعلن، محيطاً مدركاً بالخلائق وأمورهم؛ لا تخفى عليه خافية: ﴿ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ﴾[لقمان/16].

    وبالإضافة إلى ما سبق ذكره فإن هذا الإعتقاد يخرج الإنسان من العبودية لله تعالى إلى عبودية البشر. والله تعالى لا يرضى لعباده أن يكون بعضهم عبيد بعض ولو كانوا أنبياء وأولياء:﴿ مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (79) وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾[آل عمران/79، 80].

    ولقد عبّر الصحابي الجليل ربعي بن عامر رسالة الإسلام في العبودية لله حينما قال لرستم قائد الفرس في معركة القادسية حينما سأله رستم: ( ما جاء بكم؟ قال: الله ابتعثنا، والله جاء بنا لنخرج من شاء من عباده العبادة إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام)([32]).

    فهذه المقولة أصدق تعبير عن فهم الصحابة لرسالة الإسلام التي نادى بها سيدنا ونبينا محمد r في تحقيق العبودية لله تعالى ونفيها عن البشر كائناً مَنْ كان.

    ومن الطبيعي أن يكون لهذا المعتقد المنحرف عن جادة الصواب أسباب ونتائج. وهي ما ستكون محل بحثنا في الفصول القادمة.





    الفصل الأول

    من أين دخل الشرك على بني آدم؟

    الأجابة على هذا السؤال، يتطلب منّا معرفة بعض الحقائق:

    الحقيقة الأولى: إن أول البشر كان نبياًّ، فمن أين دخل الشرك نسله؟

    مما لا يختلف فيه إثنان أن آدم عليه السلام بعد إقترافه الخطيئة بأكله من الشجرة، وهبوطه إلى الأرض كان نبياً وكان هو وزوجته حواء على التوحيد. ولما تناسل أولادهما كانوا على دين أبيهم.

    يقول المفسرون وأرباب السير: كَانَ بَيْنَ آدَمَ وَنُوحٍ عَشَرَةُ قُرُونٍ كُلُّهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ . وَثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ نُوحًا أَوَّلُ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللَّهُ إلَى أَهْلِ الْأَرْضِ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ قَوْمِهِ إنَّهُمْ قَالُوا : ﴿ لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا ﴾.

    قال إبن جرير: ( وكان من خبرهم فيما بلغنا ما حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن موسى، عن محمد بن قيس﴿ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا ﴾ قال: كانوا قومًا صالحين من بني آدم، وكان لهم أتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم: لو صوّرناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم، فصوّروهم، فلما ماتوا، وجاء آخرون دبّ إليهم إبليس، فقال: إنما كانوا يعبدونهم، وبهم يُسقون المطر فعبدوهم.) ( تفسير الطبري - (ج 23 / ص 639).

    وفي تفسير القمي في قوله تعالى: ﴿ وَقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً ﴾ قال: ( كان قوم مؤمنون قبل نوح u فماتوا فحزن عليهم الناس فجاء إبليس فاتخذ لهم صورهم ليأنسوا بها فأنسوا بها فلما جاءهم الشتاء أدخلوهم البيوت فمضى ذلك القرن وجاء القرن الآخر فجاءهم إبليس فقال لهم إن هؤلاء آلهة كانوا آباؤكم يعبدونها فعبدوهم وضل منهم بشر كثير فدعا عليهم نوح فأهلكهم الله )(بحار الأنوار ج : 3)

    وفي علل الشرائع عن جعفر بن محمد u في قول الله عز وجل : ﴿ وقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً ﴾ قال: ( كانوا يعبدون الله عز وجل فماتوا فضج قومهم وشق ذلك عليهم فجاءهم إبليس لعنه الله فقال لهم أتخذ لكم أصناما على صورهم فتنظرون إليهم وتأنسون بهم وتعبدون الله فأعد لهم أصناما على مثالهم فكانوا يعبدون الله عز وجل وينظرون إلى تلك الأصنام فلما جاءهم الشتاء والأمطار أدخلوا الأصنام البيوت فلم يزالوا يعبدون الله عز وجل حتى هلك ذلك القرن ونشأ أولادهم فقالوا إن آباءنا كانوا يعبدون هؤلاء فعبدوهم من دون الله عز وجل فذلك قول الله تبارك وتعالى: ﴿ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعاً الآية ﴾.( بحار الأنوار ج : 3).

    الحقيقة الثانية: بعد طوفان نوح u لم ينج من البشر سوى من آمن مع نوح، فمن أين دخل الشرك فيهم؟

    إن نوحاً u كان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض، وكان أول أولي العزم من الرسل، وقد دعا قومه الذين عبدوا يغوث ويعوق ونسرا، فما آمن معه إلاّ قليل، فدعا عليهم نوح بقوله: ﴿ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (26) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا ﴾ [نوح/26، 27]:

    فقال الله تعالى : ﴿ فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (119) ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ (120) إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (121) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ﴾( الشعراء:122) }.

    فلم ينج من أهل الأرض إلاّ من آمن مع نوح، فمن أين دخل الشرك فيهم، حتى إحتاج الناس إلى أن يبعث الله فيهم الأنبياء والرسل، ليصححوا عقيدتهم، ويدعوهم إلى عبادة الله وحده. قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ﴾ [النحل/36]([33]).

    الحقيقة الثالثة : الدخول في الإسلام بنطق الشهادتين ليس بعاصم من الوقوع في الشرك أو الكفر.

    وهذه الحقيقة هي إستنتاج من الحقيقتين السابقتين، إذ لو كانت الولادة على الإسلام، أو مجرد نطق ( لا إله إلاّ الله ) عاصماً من الوقوع في الشرك؛ فكيف وقع الناس في الشرك بعد نبي الله آدم u ؟

    وكيف دخل الشرك بعد نوح u ، وقد علمنا أن الله تعالى قد أغرق جميع الكفار، ولم ينج من الناس إلاّ مَنْ كان قد آمن مع نوح وركب السفينة معه.

    بل أكثر من هذا فقد وقع الشرك في بني إسرائيل وبحضرة نبي الله هارون عليه السلام، حين عبدوا العجل الذي أخرجه لهم السامري ، وذلك عندما ذهب موسى عليه السلام لميقات ربه.



    التاريخ يعيد نفسه:

    إن من يطلع على ممارسات الشيعة وبعض المتصوفة في مراقد الأئمة ومشايخ الدين يرى أن هذه الممارسات تتنافى تماماً مع العبودية الخالصة لله تعالى، فهذا الذي يطوف حول القبر، وهذا الذي يتضرع عند القبر طالباً من صاحب القبر أن يرزقه الولد، وهذا الذي يطلب منه أن يشفي مريضه، وهذا الذي يتمسح بحيطان المرقد، ويزحف من باب المشهد يقبل الأرض حتى يصل إلى القبر … إلخ.

    قال العلامة الصنعاني:

    (فإن قلت هؤلاء القبوريون يقولون: نحن لا نشرك بالله تعالى ولا نجعل له نداً والالتجاء إلى الأولياء والاعتقاد فيهم ليس شركا!

    قلتُ: نعم : ﴿ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ﴾[آل عمران/167] لكن هذا جهل منهم بمعنى الشرك، فإن تعظيمهم الأولياء ونحرهم النحائر لهم شرك والله تعالى يقول : ﴿ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ﴾[الكوثر/2] أي: لا لغيره، كما يفيده تقديم الظرف. ويقول الله تعالى : ﴿ وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا ﴾[الجن/18] وقد عرفت بما قدمناه قريبا أنه صلى الله عليه وسلم قد سمى الرياء شركا، فكيف بما ذكرناه؟!

    فهذه الذي يفعلونه لأوليائهم هو عين ما فعله المشركون وصاروا به مشركين، ولا ينفعهم قولهم: نحن لا نشرك بالله شيئا، لأن فعلهم أكذبَ قولهم.

    فإن قلتَ: هم جاهلون أنهم مشركون بما يفعلونه. قلتُ: قد صرح الفقهاء في كتب الفقه في باب الردة أن من تكلم بكلمة الكفر يكفر، وإن لم يقصد معناها، وهذا دال على أنهم لم يعرفوا حقيقة الإسلام ولا ماهية التوحيد، فصاروا حينئذ كفارا كفرا أصليا. فالله تعالى فرض على عباده إفراده بالعبادة : ﴿ أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ ﴾[هود/26] وإخلاصها له : ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴾[البينة/5] ومن نادى الله ليلا ونهارا وسرا وجهارا وخوفا وطمعا ثم نادى معه غيره فقد أشرك في العبادة. فإن الدعاء من العبادة، وقد سماه الله تعالى عبادة في قوله تعالى ﴿إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين﴾ [40:60] بعد قوله ﴿ادعوني أستجب لكم﴾.

    فإن قلت: لا سواء، لأن هؤلاء قد قالوا "لا إله إلا الله" وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم ‘لا بحقها." وقال لأسامة بن زيد:"لم قتلته بعدما قال لا إله إلا الله؟" وهؤلاء يصلون ويصومون ويزكون ويحجون بخلاف المشركين. قلتُ: قال صلى الله عليه وسلم " إلا بحقها" وحقها إفراد الإلهية والعبودية لله تعالى. والقبوريون لم يفردوا الإلهية والعبادة، فلم تنفعهم كلمة الشهادة، فإنها لا تنفع إلا مع التزام معناها، كما لم ينفع اليهود قولها لإنكارهم بعض الأنبياء.

    وكذلك من جعل غير من أرسله الله نبيا، لم تنفعه كلمة الشهادة. ألا ترى أن بني حنيفة كانوا يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويصلون ولكنهم قالوا: إن مسيلمة نبي. فقاتلهم الصحابة وسبوهم. فكيف بمن يجعل للولي خاصة الإلهية ويناديه للمهمات؟ وهذا أمير المؤمنين على بن أبي طالب رضي الله عنه حرق أصحاب عبد الله ابن سبأ، وكانوا يقولون نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. ولكنهم غلوا في علي رضي الله عنه واعتقدوا فيه ما يعتقد القبوريون وأشباههم، فعاقبهم عقوبة لم يعاقب بها أحدا من العصاة، فإنه حفر لهم الحفائر وأجج لهم نارا وألقاهم فيها وقال:

    لما رأيت الأمر أمر منكرا أججت ناري ودعوت قنبرا

    وقال الشاعر في عصره

    لترم بي المنية حيث شاءت إذا لم ترم بي في الحفرتين

    إذا ما أججوا فيهم نارا رأيت الموت نقدا غير دين

    والقصة في فتح الباري وغيره من كتب الحديث والسير.

    وقد وقع إجماع الأمة على أن من أنكر البعث كفر وقتل ولو قال لا إله إلا الله، فكيف بمن يجعل لله ندا؟

    فإن قلت قد أنكر صلى الله عليه وسلم على أسامة قتله لمن قال لا إله إلا الله كما هو معروف في كتب الحديث والسير، قلتُ: لا شك أن من قال: "لا إله إلا الله" من الكفار حقن دمه وماله حتى يتبين منه ما يخالف ما قاله، ولذا أنزل الله في قصة محلم بن جثامة آية : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا ﴾[النساء/94] فأمرهم الله تعالى بالتثبت في شأن من قال كلمة التوحيد، فإن تبين التزامه لمعناها كان له ما للمسلمين وعليه ما عليهم. وإن تبين خلافه فلم يحقن دمه وماله بمجرد التلفظ. وهكذا كل من أظهر التوحيد وجب الكف عنه إلى أن يتبين منه ما يخالف ذلك. فإذا تبين لم تنفعه هذه الكلمة بمجردها. ولذلك لم تنفع اليهود ولا نفعت الخوارج مع ما انظم إليها من العبادة التي يحتقر الصحابة عبادتهم إلى جنبها، بل أمر صلى الله عليه وسلم بقتلهم، وقال: "لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد" وذلك لما خالفوا بعض الشريعة وكانوا شر القتلى تحت أديم السماء، كما ثبتت به الأحاديث. فثبت أن مجرد كلمة التوحيد غير مانع من ثبوت شرك من قالها لارتكابه لما يحالفها من عبادة غير الله)([34]).

    ولتقريب مخالفة القول للفعل، وأنه لا عبرة بالقول إذا خالفه الفعل نقول:

    لو فرضنا أنك دعوت صديقاً لك لزيارتك، فقلت له: هل لك أن تزورني عصر غدٍ في بيتي؟

    فقال: نعم سأزورك.

    وحل الغد وارتحل العصر ولم يأت إلى زياتك.

    فهل تستطيع أن تعتبر هذا الصديق زائراً لك؟!

    لقد قال أنه سيزورك بلسانه، ولكنه أخلف بوعده وخالف فعله قوله.

    وهذا حال من تلفظ بالشهاديتن بلسانه، ولكنه لم يفعل ما يوجب عليه هاتين الشهادتين من إقرار وأفعال.





    «« توقيع ابو غسان »»

  7. #7
    عضو
    الحالة : ابو غسان غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 5223
    تاريخ التسجيل : Nov 2009
    الجنـس : رجل
    المشاركات : 3,405
    المذهب : سني
    التقييم : 52

     

     

    افتراضي


    أسباب الغلو في الصالحين

    المحور الأول: نظرة الناس للأنبياء:

    قبل أن نتعرف على أسباب الغلو الذي يقع من بعض الناس في الأنبياء والأولياء، علينا أن نعرف نظرة الناس إلى الأنبياء والرسل منذ قديم الزمان، وكيف كانوا يتعاملون معهم؛ فنقول:

    الناس في نظرتهم للأنبياء والرسل ثلاثة أصناف:

    الصنف الأول: الذين لم يؤمنوا بالرسل:

    هذا الصنف من الناس نظروا إلى منصب النبوة، على أنها منصب غير متصور أن يناله البشر؛ لأنهم كانوا يتصورون أن النبي يجب أن يمتلك قدرة خارقة على فعل ما يريده، ولهذا قالوا: لو أراد الله تعالى أن يرسل رسولاً لجعله من الملائكة، بإعتبار أن الملك لديه قدرة تفوق قدرة البشر؛ فلما رأوا الرسول أو النبي على أرض الواقع بشر لا يملك مما هو متصور في أذهانهم مما دفعهم إلى عدم الإيمان بهم، بل ومحاربتهم وقتلهم.

    قال الشيخ محمد حسين فضل الله: وتحت عنوان: ( الأنبياء والتصور المنحرف عنهم:

    ( لعل مشكلة الأنبياء هي في التصور المنحرف لدى الناس الذين كانوا يعيشون معهم عن فكرة النبوة والنبيّ، فقد كانوا يعتقدون بأن النبوّة حالةٌ غير عادية، باعتبارها تفويضاً إلهياً للنبيّ بأن يتحرك في الأرض مع الناس بقدرة خارقة، لأنه وكيل الله لدى الإنسان، فيجب أن يتمتع بإمكاناتٍ عظيمةٍ يغيّر بها الكون، ويحكم بها الحياة، فيعمل كل ما يريد، أو ما يراد منه، من تغيير ظاهرةٍ كونيةٍ، أو الإتيان بما يعجز البشر عن مثله.

    لذا كانوا يتصوّرون أن النبي لا يمكن أن يكون بشراً، وكون محمد r لا يملك مثل هذه القدرة المطلقة، فقد مثل ذلك مشكلةً في علاقة الناس به وإيمانهم برسالته، مما أثار في فكرهم حالة شكٍ أو استهزاءٍ. وفي هذا الاتجاه، كان حوار قريش مع النبي محمد r حول مسألة الرسالة، وشروطهم للإيمان بها وبه، من خلال ما كانوا يسمعونه من معجزة موسى أو عيسى، وغيرهما من الأنبياء u في ما يدهش الفكر ويخطف البصر من خوارق العادة... وإذا كان القرآن هو المعجزة التي جاء بها النبي r، فإنهم لا يرون في ذلك حالةً غير عادية، لأنها لا تتصل بالظاهرة الكونية، بل ترتبط بالعنصر الغني للتعبير، مما يمكن أن يكون قمةً في الإبداع لا يبلغها أحد، ولكنها لا تتلاءم مع معجزات الأنبياء الآخرين، ولا تغيّر أية ظاهرةٍ من ظواهر الحياة حولهم.

    ولكنّنا نعلم أن الله قد أرسل رسله كي يفتحوا عقول الناس وقلوبهم على الحق، من خلال المنهج الفكري الذي يقودهم إلى اكتشافه بالفكر الدائب على البحث، والوحي المنفتح على تفاصيل الحقيقة... ولم تكن المعجزة أساساً في ذلك، بل كانت ردّاً للتحدّي الكبير الذي يحاول أن يُسقط الدعوة أمام الناس، كما في مسألة فرعون وموسى وأمثالها. ولذلك لم يستجب النبي r للتحديات الطارئة الذاتية، لأنها لا تمثل شيئاً في حركة الدعوة، ولا تثير أيّ غبار في وجهته العملية إلا بشكل بسيط.)([35])

    ثم يضيف قائلا: وتحت عنوان: ( الواقعية في الخصوصية البشرية):

    ( ولكن الله يُعلّم رسوله بأن هذه الأمور لا تقع في نطاق قدرته، لأنه بشر لا يملك أن يقوم بأيّ عملٍ خارقٍ للعادة من خلال قدراته الذاتية، فهو مجرد رسول يُوحَى إليه ليبلِّغ الناس ما يريد الله له أن يبلِّغه في وحيه، وليس من شأن الرسالة أن تغير الكون في نظامه الكوني، بل إن دورها أن تغيّره في نظامه الإنساني العملي... ولذلك، فلا مجال لأيّ شيءٍ مما تقترحونه ﴿ قُلْ سُبْحَانَ رَبّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً﴾ وليس عليّ إلا أن أبلغكم رسالات ربي، وأفتح عقولكم من خلال الحوار الذي يقودكم إلى الحجة على صدق الرسالة.

    ﴿ وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ إِذْ جَآءهُمُ الْهُدَى ﴾ في وحي الله على يد رسوله، ﴿ إِلاَّ أَن قَالُواْ أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَّسُولاً ﴾ في استغراب يوحي بالإنكار أو بالشك، انطلاقاً من التصور الخاطىء الذي يرى الرسالة شيئاً من شؤون الملك، لا من شؤون الإنسان. ولكن الله يعالج المسألة بتصحيح هذا التصور، فإن الرسالة تفرض الدعوة بالفكر وبالقدوة، فلا بد من أن يكون الرسول من الناس، ليكون تجسيده للرسالة في سلوكه أساساً للإيمان بواقعية الفكرة التي يدعو إليها، من خلال خصوصيته البشريّة، أما إذا كان ملكاً، فإن الناس سيحتجّون بعدم امتلاكهم قدرة الملك على تجسيد أخلاقية الرسالة في الحياة. وربّما كانت المسألة تتجه إلى المقولة التي تؤكد على أن الإنسان لا يتحمل النظر إلى الملك، ﴿ قُل لَوْ كَانَ فِي الأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ ﴾ لكان من الضروري أن يكون الرسول إليهم منهم، ليتناسب فكره مع فكرهم، وقدرته العملية مع قدرتهم. ﴿ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَآءِ مَلَكًا رَّسُولاً﴾ لأن ذلك هو الذي يجعل إمكانات النجاح متوفرة في تجربته الرسالية.)([36])

    وعن الحكمة من جعل الرسول من البشر: يقول شيخ الإسلام إبن تيمية:

    ( وأما حكمته في إرسال بشر: فقد ذكر أنّه من جنسهم، وأنّه بلسانهم؛ فهو أتمّ في الحكمة والرحمة، وذكر أنّهم لا يمكنهم الأخذ عن المَلَك، وأنّه لو نزّل ملكاً، لكان يجعله في صورة بشر، ليأخذوا عنه.. .

    ولهذا لم يكن البشر يرون الملائكة إلا في صورة الآدميين؛ كما كان جبريل يأتي في صورة دحية الكلبي . . وكذلك لما جاءت الملائكة إبراهيم r، وامرأته حاضرة، كانوا في صورة بشر، وبشّروها بإسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب. . وأيضاً جاؤوا لوط عليه السلام في صورة شباب حسان، وجبريل جاء إلى مريم في صورة بشر. قال الله تعالى: ﴿ فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيّاً قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيّاً ﴾[سورة مريم، الآيات 16-19]([37]).

    ولقد رد الله تعالى على هذا الصنف من الناس قائلاً: ﴿ وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (94) قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا ﴾ [الإسراء/94، 95].

    وقال أيضاً: ﴿ وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ( 8 ) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ ﴾[الأنعام/9].

    هذا هو الصنف الأول، جعلهم هذا التصور الخاطئ لمنصب النبوة والنبي، أن يعرضوا عن الإيمان بهم. قائلين: ﴿ لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ﴾ [فصلت/14]، ﴿ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آَبَائِنَا الْأَوَّلِينَ ﴾[المؤمنون/24].

    الصنف الثاني: وهم المؤمنون بالأنبياء بالغيب، ولم يعايشوا الأنبياء والمرسلين، وتصوروا أن النبي أو الرسول بمنزلته المقربة من الله تعالى له من القدرات والخصائص ما يؤهلهم أن يكونوا واسطة بينهم وبين الله تعالى، ولكنهم لم يعايشوا الأنبياء ليروهم على صورتهم الحقيقية من كونهم بشر لا يختلفون عنهم في شيء سوى الوحي، وأنهم بأخلاقهم الحسنة وأفعالهم الحميدة وصلوا إلى أن إختارهم الله تعالى وأصطفاهم لرسالته﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ﴾[الكهف/110].

    هذا الصنف، عكس الصنف الأول، فإن أولئك أدى تصورهم الخاطئ عن الأنبياء إلى الكفر وعدم الإيمان بهم.

    ولكن هذا الصنف الثاني أدى إيمانهم وحبهم المغلوط إلى إشراكهم في بعض خصائص الله تعالى، وكلا الصنفين أخرجهم هذا الغلو من حضيرة الإيمان إلى حضيرة الشرك.

    فالنصارى الذين غلو في عيسى عليه السلام حتى قالوا :﴿ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ﴾[المائدة/17]،أو أن :﴿ الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّه ﴾[التوبة/30].هل قالوا ما قالوا حبّاً به، أم كُرهاً له؟

    هذا النوع من الحب مرفوض عند الله تعالى رفضاً قاطعاً، لم يأمر به عيسى ولا الأنبياء عليهم السلام، ولا الملائكة المقربون. قال الله تعالى: ﴿ مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (79) وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران/79، 80].

    ولهذا وحتى يبرئ الله تعالى ساحة نبيه عيسى u من هذا الكفر، فقد صور لنا مشهداً من مشاهد الآخرة لم تقع بعد، وما ذلك، إلاّ تعليماً وإرشاداً للمسلمين لئلا يقعوا فيما وقع فيه اليهود والنصارى. قال تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (116) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾[المائدة/116، 117].

    وأيضا فإن الذين غلو في سيدنا علي t وفي أهل بيت النبي r، ما دفعهم إلى هذا الغلو إلاّ حبهم الخاطئ لهم، وتصورهم أن منزلة هؤلاء عند الله توجب أن يتقرب الناس منهم ولو بالقول فيهم ما لا يقال إلاّ في الله تعالى، لأن رضاء الله تعالى في تصورهم يمر عبر رضا هؤلاء، ونسوا أن حب الشيء يعمي ويصم، وهذا هو سر الشرك والكفر الذي يقع فيه عامة المنتسبين إلى الإسلام من حيث لا يدرون([38]).

    الصنف الثالث: وهم وسط بين الصنفين:

    وهؤلاء علموا أن الله تعالى أرسل الرسل والأنبياء ليكون الدين كله لله ، وليعبدوا الله وحده لا شريك له ، ومُبَشِّرِينَ مَنْ أَطَاعَهُمْ بِالثَّوَابِ وَمُنْذِرِينَ مَنْ عَصَاهُمْ بِالْعِقَابِ.

    كما علموا أن الرسل عليهم الصلاة والسلام هم بشر كسائر البشر، وأن الله تعالى خصهم بالوحي وكلفهم برسالته لكونهم أفضل الناس خُلُقاً وأمانةً وورعاً وتقوى.

    كما علموا أن علاقتهم بالأنبياء والرسل إنما هي في العلاقة برسالته، ( لا لوناً من ألوان الاستغراق في شخصيته والارتباط بذاته، لأن الله لا يريد للناس أن يلتقوا بالرسول من خلال ذاته، بل من خلال أنّه يمثل الرمز الحيّ للرسالة، ليبحثوا في ذاته عن عناصر الرسالة في فكره وروحه وجهاده المتحرك في أكثر من اتجاهٍ )([39]).

    هذا الصنف آمن بالرسل، على أنهم مبلغين عن الله تعالى، فآمنوا بهم وبرسالتهم، ونصروهم، دون غلو فيهم، ودون أن يبخسوا حقهم من التبجيل والتوقير.

    هذا الصنف جسّده السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، وعلى رأسهم أبي بكر الصديق y حينما قدم من السنح يوم وفاة النبي r؛ فلما كشف وجه النبي r وتأكد من وفاته، قبّله قائلاً: ( بأبي أنت وأمي يا رسول الله، طِبْتَ حيّاً وميِّتاّ ) ثم خرج إلى الناس وقال: ( أيها الناس مَنْ كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومَنْ كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت )ثم تلا قوله تعالى: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ﴾.

    فعلموا أن النبي r ما فارق الدنيا إلاّ بعد أن بلّغ الرسالة وأدى الأمانة، ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ﴾[المائدة/3]. فلم يبق شيء من الدين ناقصاً إلاّ وفيه كتاب أو سنة([40]).

    وعلى هذا فكل إضافة إلى الدين بعد أن لم تكن من غير وجه إقتضاء، فهي من البدع المذمومة([41]).

    المحور الثاني: لماذا يقع الإنسان في الغلو؟

    يقول الشيخ محمد حسين فضل الله، وهو يحدد الأسباب التي تجعل البعض من الناس يلجأ إلى غير الله تعالى:

    ﴿ وَاتَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً ﴾ تلك هي خلفية الشرك لدى هؤلاء الناس، فهم يشعرون بالضعف الذي يسيطر عليهم في كثير من جوانب الحياة، ويبحثون عن أساس للقوة والحماية، فيلجأون إلى الملائكة، والجن، والقديسين من البشر، والطغاة من الملوك والرؤساء، ويتخيلون لهم خصائص مقدسة تمنحهم إمكانات عجائبية تنقذهم من الأشباح المخيفة والأحداث المرعبة، والأمراض المهلكة، والأوضاع الصعبة ونحو ذلك... وتبدأ عملية العبادة بالأساليب المتنوعة في تقديم القرابين وأداء طقوس الطاعة التي ينفّذون بها كل أوامرهم وتبعدهم عن نواهيهم، ويتعاظم الخيال المقدس في أفكارهم ومشاعرهم، فيتصورونهم في مواقع الآلهة، ويتحولون في وعيهم إلى شركاء لله بدرجات متفاوتة.

    وربما يفكر البعض من هؤلاء المتألِّهين، أنهم الأقرب إلى الله، من خلال ذلك، وهكذا هم يستطيعون التوسط إلى الله، ليقرِّبوهم إليه، لأن عظمته تمنع الناس العاديين من أن يتصلوا به في مرحلة التصور، لتتحول إلى فكرة التقديس في مرحلة العبادة.

    إن القضية كل القضية، هي أن الضعفاء الذين يعيشون المذلّة، يبحثون في خيالات التخلُّف عما يعطيهم شيئاً من العزة ويمنحهم شيئاً من القوة. ولكنهم سيكتشفون خطأ هذه الأفكار عندما يواجهون هؤلاء الآلهة، في يوم القيامة، في الموقف العصيب أمام الله، إذ سيتبرأ كل هؤلاء منهم بعد أن يحمّلوهم المسؤولية عن جميع أعمالهم، لأنهم أضعف من أن يستطيعوا لهم شيئاً.)([42]).

    فإذا عرفت أن الدافع لهؤلاء هو إعتقادهم بأن لهؤلاء الذين يلجأون إليهم في الشدائد لهم خصائص مقدسة تمنحهم إمكانات عجائبية تنقذهم من الأشباح المخيفة والأحداث المرعبة، والأمراض المهلكة، والأوضاع الصعبة ونحو ذلك، علمت حينئذٍ أن المسألة هي مسألة عقيدة، وليست مجرد تصرفات خاطئة يقوم بها البعض من السذج من الناس.

    وإذا كانت المسألة مرتبطة بعقيدة هؤلاء في أن الأئمة لهم إمكانات وقدرات تقترب من إمكانات وقدرات الخالق عز وجل, وجب حلها بما ينسجم مع عظمة الخالق، وما يستحقه من صفات الكمال، ووجوب زرع ذلك في أذهان وعقائد الناس، بدلاً من تعلقهم بالأنبياء أو الأولياء الذين هم عبيد مخلوقون مربوبون لله، ﴿ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ﴾ [الأنبياء/26، 27].

    ويزيد الشيخ صفي الرحمن المباركفوري الأمر وضوحاً فيقول:

    ( أما فكرة الشرك وعبادة الأصنام، فقد نشأت فيهم ( أهل الجاهلية) على أساس أنهم لما رأوا الملائكة والرسل والنبيين وعباد الله الصالحين من الأولياء والأتقياء والقائمين بأعمال الخير ـ لما رأوهم أنهم أقرب خلق الله إليه، وأكرمهم درجة وأعظمهم منزلة عنده، وأنهم قد ظهرت على أيديهم بعض الخوارق والكرامات، ظنوا أن الله أعطاهم شيئاً من القدرة والتصرف في بعض الأمور التي تخص بالله سبحانه وتعالى، وأنهم لأجل تصرفهم هذا ولأجل جاههم ومنزلتهم عند الله يستحقون أن يكونوا وسطاء بين الله سبحانه وتعالى وبين عامة عباده، فلا ينبغي لأحد أن يعرض حاجته على الله إلاّ بواسطة هؤلاء؛ لأنهم يشفعون له عند الله، وأن الله لا يرد شفاعتهم لأجل جاههم، كلك لا ينبغي القيام بعبادة الله إلاّ بواسطة هؤلاء لأنهم بفضل مرتبتهم سوف يقربونه إلى الله زلفى.

    ولما تمكن منهم هذا الظن ورسخ فيهم هذا الإعتقاد إتخذوهم أولياء، وجعلوهم وسيلة فيما بينهم وبين الله سبحانه وتعالى، وحاولوا التقرب إليهم بكل ما رأوه من أسباب التقرب؛ فنحتوا لمعظمهم صوراً وتماثيل، إما حقيقة تطابق صورهم التي كانوا عليها، وإما خياليةتطابق ما تخيلوا لهم من الصور في أذهانهم([43]) ـ وهذه الصور والتماثيل هي التي تسمى بالأصنام.

    وربما لم ينحتوا لهم صوراً ولا تماثيل، بل جعلوا قبورهم وأضرحتهم وبعض مقراتهم ومواضع نزولهم وإستراحتهم أماكن مقدسة، وقدموا إليها النذور والقرابين، وأتوا لها بأعمال الخضوع والطاعات، وهذه الأضرحة والمقرات والمواضع هي التي تسمى بالأوثان.)([44]).

    هذا الكلام وإن كان قد قيل في أهل الجاهلية، إلاّ أن واقع المسلمين المنحرفين عن التوحيد الصحيح لا يخرج عنه، وهذه الأضرحة والمشاهد التي ما أمر الله تعالى ببنائها ولا بزيارتها بهذه الكيفية شاهد صارخ لما آلت إليه حال المسلمين من تطابق واقعهم مع حال الجاهلية السابقة.

    وكما أسلفنا سابقاً فإن الغلو أساسه ناتج عن عقيدة القلب، ولا سلطان عليه لأحد غير الله تعالى، ولهذا فإن الملوك والجبابرة الذين قهروا الناس واستعبدوهم بالقوة، ما أن يزيل ملكهم وسلطانهم وقوتهم حتى يتحلل الناس من عبوديتهم.

    أما الغلو في الصالحين فأساسه إيمان وإعتقاد بأن لهؤلاء الصالحين منزلة عند الله تعالى، فترى الناس يتعلقون بهم طوعاً من غير إكراه ولا قوة.

    ولما كان الأنبياء وعباد الله الصالحين من أبعد الناس عن الشرك وأعظمهم معرفة لحق الله تعالى، لذا كانوا على حذر شديد في حياتهم أن لا يغالي فيهم الناس ليحولوهم إلى إله مصغر ترفع إليهم الحوائج ليكونوا واسطة بين الله تعالى وبين عباده، ولكنهم ما أن يموتوا حتى يتحولوا في أذهان الناس وتصوراتهم إلى قوة غيبية لها سلطة كاملة، أو سلطة جزئية على الكون؛ وهذا ما تسمى عند الشيعة بـ ( الولاية التكوينية للأئمة) فقد أقرها الخوميني ومن سار على دربه، وأنكرها محمد حسين فضل الله ومن لا يجنح منهم إلى ذلك الغلو الذي يعطي للأئمة منزلة وخصائص تفوق منزلة الأنبياء والرسل؛ بل يجعلونهم يشاركون الله تعالى في أخص صفاته وخصائصه في قدرته التي ليس لها حدود وفي علمه للغيب.

    هذا ولم يقف الأمر عند حد تعظيم الشيعة لأئمتهم الذين يظنون فيهم أنهم معصومون، بل تعدى الأمر إلى فقهاء الشيعة، ( فقد اتخذوهم أرباباً من دون الله تعالى و(مراجع) يرجعون إليهم في الأصول والفروع دون تفريق، وفي الكبيرة والصغيرة بلا تحقيق، أو رجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله! بل يعتقدون أن فهم الكتاب والسنة حكر عليهم ولا يكون إلا بواسطتهم لا يستجيزون تخطئتهم وإنما يقلدونهم تقليدا أعمى حتى صرح كبار علمائهم أن الاعتراض على الفقيه بمنزلة الاعتراض على الله وهو شرك بالله! منهم محمد رضا المظفر وإبراهيم الزنجاني إذ يقول كلاهما بالنص الواحد:

    (عقيدتنا في المجتهد الجامع للشرائط أنه نائب عام للإمام u في حال غيبته. وهو الحاكم والرئيس المطلق. له ما للإمام في الفصل في القضايا والحكومة بين الناس، والراد عليه راد على الإمام والراد على الإمام راد على الله تعالى وهو علـى حد الشرك بالله كما جاء في الحديث عن صادق آل البيت عليهم السلام)([45]).

    وهذه - في قرآننا - هي عقيدة اليهود والنصارى في أحبارهم ورهبانهم، كما أخبـر تعالى عنهم فقال: )اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ (31)( التوبة. ولا شك أن أهل الكتاب لم يقولوا عن علمائهم أنهم أربابهم أو خالقوهم، ولم يعبدوهم بأن ركعوا وسجدوا لهم، وإنما أحلوا لهم الحرام وحرموا عليهم الحلال فأطاعوهم واتبعوهم دون نقاش، وأنزلوا كلامهم وأوامرهم منزلة كلام الله وأمره. فتلك عبادتهم إياهم، واتخاذهم لهم أرباباً من دون الله .

    وفي الوقت نفسه يستولون على أموالهم بحجة ما يسمونه بـ(الخمس) و(الحقوق الشرعية) و(ثلث الأموات) وغيرها من الأسماء والحيل، يتمتعون بها وبأعراضهم باسم (المتعة)، ويؤسسون الشركات المالية الضخمة في الدول الأجنبية كمؤسسة آل الخوئي في لندن.

    إن جزءاً كبيراً من هذه الأموال يستثمرونها في التآمر السياسي وإثارة الفتن والقلاقل وعدم الاستقرار. يقول تعالى: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ((التوبة: 46)([46]).

    والآن لنا أن نتساءل ما الذي أوقع بعض المسلمين في الافتتان بقبور الصالحين ومشاهدهم، مع العلم بأن ساكنيها أموات، لا يملكون لهم ضرا ولا نفعاً، ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً؟

    ( قيل: أوقعهم في ذلك أمور:

    منها: الجهل بحقيقة ما بعث الله به رسوله، بل جميع الرسل من تحقيق التوحيد وقطع أسباب الشرك.

    ومنها: أحاديث مكذوبة مختلقة، على رسول الله صلى الله تعالى وآله وسلم تناقض دينه، وما جاء به كحديث: "إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأصحاب القبور" وحديث: "لو أحسن أحدكم ظنه بحجر نفعه" وأمثال هذه الأحاديث التي هي مناقضة لدين الإسلام.

    ومنها: حكايات حكيت لهم عن تلك القبور: أن فلانا استغاث بالقبر الفلاني في شدة فخلص منها. وفلاناً دعاه به في حاجة فقضيت له. وفلانا نزل به ضر فاسترجى صاحب ذلك القبر فكشف ضره.)([47]).





    «« توقيع ابو غسان »»

  8. #8
    عضو
    الحالة : ابو غسان غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 5223
    تاريخ التسجيل : Nov 2009
    الجنـس : رجل
    المشاركات : 3,405
    المذهب : سني
    التقييم : 52

     

     

    افتراضي


    كيف نقطع أسباب الشرك؟

    لكي نقطع أسباب الشرك من جذورها، علينا إجتناب الطرق والوسائل التي قد تؤدي إلى الوقوع في الشرك.

    وقد علمت أن أول شرك وقع في بني آدم كان سببه الغلو في الأنبياء والصالحين؛ لذا وجب علينا معرفة ضوابط حب الأنبياء والأولياء، والتفريق بين هذا الحب والتعظيم، والغلو الذي غالباً ما يؤدي إلى الوقوع في الشرك.

    وسنتناول الكلام فيه في محورين:

    المحور الأول: ضوابط حب الأنبياء والأولياء:

    إذ ليس الحب مجرد كلمات تطلق أو شعارات ترفع، بل يجب أن تقرن بأفعال تترجم هذا الحب إلى حقيقة على أرض الواقع، وإلاّ كان زعماً وادعاءً فارغا.

    فمثلاً لو قال لك إنسان أنه يحب القراءة، ولكنك كلما تجلب له كتاباً ليقرأه إحتج عليك بأنواع من الحجج ليتهرب من القراءة؛ فهل هذا الإنسان صادق في حبه للقراءة؟

    لاشك أن حبه للقراءة مجرد دعوى، لا أساس لها من الصحة.

    أما حب الله تعالى، وحب أنبيائه، وحب أوليائه، فيحتاج إلى دليل وبرهان. إذ ليس هو مجرد إحساس عاطفي يمكن أن تعبر عنه بكلمة أو بسمة، بل له ميزان دقيق من خلاله يمكن أن يوزن، أو قل من خلاله يمكن أن يُفرق بين الحب الصادق والإدعاء الكاذب.

    وحَقِيقَةَ الْمَحَبَّةِ أَنْ يُحِبَّ الْمَحْبُوبَ وَمَا أَحَبَّهُ وَيَكْرَهَ مَا يَكْرَهُهُ، وَمَنْ صَحَّتْ مَحَبَّتُهُ امْتَنَعَتْ مُخَالَفَتُهُ لِأَنَّ الْمُخَالَفَةَ إنَّمَا تَقَعُ لِنَقْصِ الْمُتَابَعَةِ وَيَدُلُّ عَلَى نَقْصِ الْمَحَبَّةِ.

    يقول الإمام جعفر الصادق u : (مَا أَحَبَّ اللَّهَ مَنْ عَصَاهُ ثُمَّ تَمَثَّلَ:

    تَعْصِي الْإِلَهَ وَأَنْتَ تُظْهِرُ حُبَّهُ هَذَا مُحَالٌ فِي الْفِعَالِ بَدِيعُ

    لَوْ كَانَ حُبُّكَ صَادِقاً لَأَطَعْتَهُ إِنَّ الْمُحِبَّ لِمَنْ يُحِبُّ مُطِيعُ )([48])

    وعلى مثل هذا الأمر أنزل الله تعالى قوله: ﴿ قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ﴾( آل عمران:31).

    وفي نهج البلاغة عن سيدنا علي y أنه قال: ( إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِالْأَنْبِيَاءِ أَعْلَمُهُمْ بِمَا جَاءُوا بِهِ ثُمَّ تَلَا: ﴿ إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا ﴾الْآيَةَ ثُمَّ قَالَ: إِنَّ وَلِيَّ مُحَمَّدٍ مَنْ أَطَاعَ اللَّهَ وَإِنْ بَعُدَتْ لُحْمَتُهُ وَإِنَّ عَدُوَّ مُحَمَّدٍ مَنْ عَصَى اللَّهَ وَإِنْ قَرُبَتْ قَرَابَتُهُ).

    وبهذا يتبين أن محبة الله تعالى إنما تأتي عن طريق إتباع الرسول r الذي محبته ومحبة الصالحين تابع لمحبة الله I ، فَكُلُّ مَنْ ادَّعَى أَنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَلَمْ يَتَّبِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ كَذَبَ لَيْسَتْ مَحَبَّتُهُ لِلَّهِ وَحْدَهُ بَلْ إنْ كَانَ يُحِبُّهُ فَهِيَ مَحَبَّةُ شِرْكٍ فَإِنَّمَا يَتَّبِعُ مَا يَهْوَاهُ كَدَعْوَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى مَحَبَّةَ اللَّهِ فَإِنَّهُمْ لَوْ أَخْلَصُوا لَهُ الْمَحَبَّةَ لَمْ يُحِبُّوا إلَّا مَا أَحَبَّ فَكَانُوا يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ ، وهل هناك نبي أو ولي يقول للناس إتخذوني إلهاً، أو قولوا لي إبن الله، أو ادعوني من دون الله: ﴿ مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (79) وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾[آل عمران/79، 80]

    قال بعض الحكماء: ليس الشأن في أن تُحبّ الله، الشأنُ في أن يكونَ هو يُحِبُّكَ. لأنك لن تجد على وجه الأرض من يقول : لا أحب الله ولا أخافه، بل حتى إبليس قال إني أخاف الله رب العالمين : ﴿ كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الحشر/16]. فهذا الإدعاء يجري على لسان الصادق والكاذب؛ فالشأن إذن هو محبة الله للمرء، وهو إنّما يُحِبُّ من اتَّبع الرسول، ويحب المحسنين، ويحب المتقين، ويحب التوابين، ويحب المتطهرين، ويحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص، ويحب الصابرين، ويحب المقسطين، ويحب المتوكلين، ولا يحب الكافرين، ولا يحب الظالمين، ولا يحب المفسدين، ولا يحب المسرفين؛ وإلاّ فالمشركون وأهل الكتاب يدّعون أنّهم يُحبُّون الله تعالى، ويحبون أنبياءه وأولياءه ؛ بل من حبهم قالوا في عيسى وعزير عليهما السلام ما قالوه. فهل مثل هذا الحب ينفع صاحبه يوم القيامة؟

    المحور الثاني: إعط كل ذي حق حقه:

    بداية نقول: لا تعارض بين حق الله تعالى في التوحيد والعبادة، وبين تعظيم وتوقير وإحترام الأنبياء والأولياء.

    فحق الله تعالى يتجلى في الإيمان والتصديق به تعالى وعبادته ( الصلاة، الصوم، الحج والطواف، والدعاء، والإستعانة, والإستغاثة، والتوكل، والإنابة . . إلخ.

    وحقيقة الشرك هو تشبه المخلوق بالخالق أو تشبيه الخالق بالمخلوق, فإن من خصائص الإلهية التفرد بملك الضر والنفع والعطاء والمنع، وذلك يوجب تعليق الدعاء والخوف والرجاء والتوكل به وحده.

    فمن علق ذلك بمخلوق فقد شبهه بالخالق، وجعل ما لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا -فضلا عن غيره- شبيها لمن له الأمر كله، فأزمة الأمور كلها بيديه، ومرجعها إليه فما شاء كان وما لم يشاء لم يكن، لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع، بل إذا فتح لعبده باب رحمته لم يمسكها أحد، وإن أمسكها عنه لم يرسلها إليه أحد.

    وحق الأنبياء وبخاصة نبينا الأكرم محمد r : يتجلى في الإيمان به وبما جاء به من أمر ونهي، وحبه الذي يتجلى في اتباعه والأخذ بسنته، والإكثار من ذكره وتمني رؤيته والشوق إلى لقائه وتقديم محبته على محبة النفس والمال، ومحبة من أحبهم، وبغض من أبغضهم, وتوقيره، وتعظيمه, وتعزيره, ونصرته، والذب عنه . . إلخ.

    أما حق الأولياء, وحق الآباء على الأبناء, وحق المسلم على المسلم، وحق الجار على الجار, وحق الضيف، وحق الزوجة، وغيرها من الحقوق التي جاء بها ديننا الحنيف؛ فقد بينتها الشريعة بشكل واضح لا لبس فيها, ولا تداخل.

    ولو فرضنا ـ جدلاً ـ أن هناك تداخلاً في هذه الحقوق, فإن حق الله تعالى أولى بالإعتبار والتقديم، ذلك لأنه ليس في إعطاء حق المخلوق للخالق بما يليق بجلاله وكماله غلو ولا إسراف، فإن حق الله تعالى على المخلوق فوق الحصر؛ ولهذا فمهما عظّمتَ الخالق، ومهما أثنيتَ عليه فلا توفي جزءاً يسيراً من حقه عليك. ولهذا كان نبينا r يقول : ( لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك ) في حين أن المخلوق نبياً كان أم ولياً، فإن له حقوقاً محدودة، فمن تجاوزها فقد وقع في الغلو، وكل غلو فيهم إنما هو مجاوزة لحق الله تعالى وتعدٍّ على حدوده، وهو بالتالي وقوع في المحذور الذي هو إما شرك أكبر لا يغفره الله تعالى، أو شرك أصغر أكبر من كل كبائر الإثم والذنوب.

    مع أننا نؤكد دائماً وأبداً أنه ليس من حقوق الأنبياء والأولياء خاصة بعد وفاتهم: دعاؤهم، أو الإستعانة بهم أو التوسل بهم، أو طلب الشفاعة منهم.

    وأيضاً فإن هذا ليس من تعظيم الأنبياء والأولياء والصالحين، لأنهم ما وصلوا إلى منزلة تقربهم إلى الله تعالى إلاّ بشدة تعظيمهم لله تعالى، وبشدة تمسكهم بشرع الله تعالى. فليس فيهم من يحب أن يُعبد من دون الله، ولا أن يتعدى أحد فيهم على حق الله تعالى في إخلاص العبادة له وحده I.

    وسيسأل الله تعالى كل من عُبِدَ من دونه في الأرض وفي السماء، فإن كان برضاه أدخله الله تعالى في النار مع الذين عبدوهم: ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ ﴾[الأنبياء/98]. أما الذين عبدوا الملائكة، والأنبياء والصالحين الذين سيتبرؤون من عبادتهم: ﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (40) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ ﴾[سبأ/40، 41],﴿ وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (116) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾[المائدة/116، 117]. فهؤلاء قد قال الله تعالى فيهم: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (101) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ (102) لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ﴾[الأنبياء/101ــ 103].

    وبهذا يتبين أن دعوى حب الأولياء وتعظيمهم وإحترامهم بإعطائهم حق الله الخالص في الألوهية أو الربوبية، أو جعلهم الواسطة بين الله تعالى وبين عباده، أو تقريب النذور والقرابين إلى أضرحتهم ومقاماتهم؛ كلها مصادمة لحق الله تعالى في التعظيم والعبادة.





    «« توقيع ابو غسان »»

  9. #9
    عضو
    الحالة : ابو غسان غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 5223
    تاريخ التسجيل : Nov 2009
    الجنـس : رجل
    المشاركات : 3,405
    المذهب : سني
    التقييم : 52

     

     

    افتراضي


    النتائج المترتبة على الغلو في الأنبياء والأولياء

    قلنا أن الغلو في الأنبياء والأولياء لم يكن ليقع في حياتهم، فهم أشد الناس محاربة لكل ما يخدش جناب التوحيد وحق الله تعالى في العبادة.

    ولكن الذي حدث أن الغلو فيهم وقع بعد وفاتهم، ولعل من أكبر صور الغلو في الأولياء هو ما نشاهده من الغلو في آثارهم وقبورهم والأضرحة والقبب المزركشة المقامة على قبورهم، والزيارات المستمرة لها ليلاً ونهاراً، وأفواجاً وجماعات، وركبانا ومشاة، ونساءً ورجالاً، وشيوخاً وأطفالاً.

    فبالإضافة إلى أن هذه الأضرحة أصبحت أمكنة رسمية وعلنية لأنواع من الأفعال الشركية التي تناقض التوحيد، فإنها أيضاً أصبحت أماكن للإختلاط غير المشروع بين الرجال والنساء، وأصبحت مكاناً خصباً لإنشاء علاقات جنسية بينهما، وأماكن لعقد اللقاءات المسمومة بين الشباب والشابات، هذا إذا إستثنينا نكاح المتعة الذي يجري بمباركة رجال الدين الشيعة، بحجة أنها من مسلمات الشيعة.

    هذا وقد ذكر إبن القيم بعض النتائج المترتبة على تعظيم قبور الأولياء والمشاهد والقبب المقامة عليها ننقلها بإختصار:

    ( نهى رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عن الصلاة إلى القبور، وهؤلاء يصلون عندها. ونهى عن اتخاذها مساجد، وهؤلاء يبنون عليها المساجد، ويسمونها مشاهد، مضاهاة لبيوت الله تعالى. ونهى عن إيقاد السرج عليها، وهؤلاء يوقفون الوقوف على إيقاد القناديل عليها.ونهى أن تتخذ أعياداً، وهؤلاء يتخذونها أعياداً ومناسك، ويجتمعون لها كاجتماعهم للعيد أو أكثر.

    وأمر بتسوية القبور ونهى عن الكتابة عليها، وهؤلاء يتخذون عليها الألواح، ويكتبون عليها القرآن وغيره.

    ونهى أن يزاد عليها غير ترابها، أو أن يبنى القبر بأجر، وأعظم ذلك اتخاذها مساجد، وإيقاد السرج عليها.

    وقد آل الأمر بهؤلاء الضلال المشركين إلى أن شرعوا للقبور حجاً، ووضعوا له مناسك، حتى صنف بعض غلاتهم في ذلك كتاباً وسماه "مناسك حج المشاهد" مضاهاة منه بالقبور للبيت الحرام، ولا يخفى أن هذا مفارقة لدين الإسلام، ودخول في دين عباد الأصنام([49]).

    فانظر إلى هذا التباين العظيم بين ما شرعه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وقصده من النهى عما تقدم ذكره في القبور، وبين ما شرعه هؤلاء وقصدوه. ولا ريب أن في ذلك من المفاسد ما يعجز العبد عن حصره.

    فمنها: تعظيمها المواقع في الافتتان بها. ومنها: اتخاذها عيدا. ومنها: السفر إليها. ومنها: مشابهة عبادة الأصنام بما يفعل عندها: من العكوف عليها، والمجاورة عندها. وتعليق الستور عليها وسدانتها، وعبادها يرجحون المجاورة عندها على المجاورة عند المسجد الحرام، ويرون سدانتها أفضل من خدمة المساجد، والويل عندهم لقيمها ليلة يطفئ القنديل المعلق عليها. ومنها: النذر لها ولسدنتها. ومنها: اعتقاد المشركين بها أن بها يكشف البلاء، وينصر على الأعداء، ويستنزل غيث السماء، وتفرج الكروب، وتقضى الحوائج، وينصر المظلوم، ويجار الخائف، وإلى غير ذلك. ومنها: الدخول في لعنة الله تعالى ورسوله باتخاذ المساجد عليها، وإيقاد السرج عليها، ومنها: الشرك الأكبر الذي يفعل عندها. ومنها: إيذاء أصحابها بما يفعله المشركون بقبورهم، فإنهم يؤذيهم بما يفعل عند قبورهم. ويكرهونه غاية الكراهة.

    ومنها: مشابهة اليهود والنصارى في اتخاذ المساجد والسرج عليها ومنها: محادة الله ورسوله ومناقضة ما شرعه فيها. ومنها: التعب العظيم مع الوزر الكثير، والإثم العظيم. ومنها: إماتة السنن وإحياء البدع.

    ومنها: تفضيلها على خير البقاع وأحبها إلى الله. فإن عباد القبور يقصدونها مع التعظيم والاحترام والخشوع ورقة القلب والعكوف بالهمة على الموتى بما لا يفعلونه في المساجد. ولا يحصل لهم فيها نظيره ولا قريب منه.، ومنها: أن ذلك يتضمن عمارة المشاهد وخراب المساجد. ودين الله الذي بعث به رسوله بضد ذلك.

    ومنها: أن الذي شرعه الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم عند زيارة القبور: إنما هو تذكر الآخرة، والإحسان إلى المزور بالدعاء له، والترحم عليه، والاستغفار له، وسؤال العافية له. فيكون الزائر محسناً إلى نفسه وإلى الميت، فقلب هؤلاء المشركون الأمر، وعكسوا الدين وجعلوا المقصود بالزيارة الشرك بالميت، ودعاءه والدعاء به، وسؤاله حوائجهم، واستنزال البركات منه، ونصره لهم على الأعداء ونحو ذلك. فصاورا مسيئين إلى نفوسهم وإلى الميت

    ولو لم يكن إلا بحرمانه بركة ما شرعه الله تعالى من الدعاء له والترحم عليه والاستغفار له)([50]).

    وقال شيخ الإسلام إبن تيمية رحمه الله:

    ( لم يقل أحد من أئمة السلف : إن الصلاة عند القبور وفي مشاهد القبور مستحبة، أو فيها فضيلة، ولا أن الصلاة هناك والدعاء أفضل من الصلاة في غير تلك البقعة والدعاء، بل اتفقوا كلهم على أن الصلاة في المساجد والبيوت أفضل من الصلاة عند القبور قبور الأنبياء والصالحين سواء سميت [ مشاهد ] أو لم تسم .

    وقد شرع اللّه ورسوله في المساجد دون المشاهد أشياء، فقال تعالى: } وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا { [ البقرة : 114 ] ، ولم يقل: المشاهد. وقال تعالى: } وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ { [ البقرة : 187 ] ولم يقل: في المشاهد، وقال تعالى: } قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ { [ الأعراف : 29 ] ، وقال تعالى : } إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ { [ التوبة : 18 ] ، وقال تعالى: } وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا { [ الجن : 18 ] وقال صلى الله عليه وسلم: " صلاة الرجل في المسجد تفضل على صلاته في بيته وسوقه بخمس وعشرين ضعفا " ، وقال صلى الله عليه وسلم : " من بنى للّه مسجداً بنى اللّه له بيتا في الجنة " )([51]).

    وها أنا أنقل للقاريء الكريم مما جاء في كتب الشيعة من الروايات في النهي عن البناء على القبور، والصلاة عندها، والطواف حولها، متضمناً جميع ما ذكره إبن تيمية وتلميذه إبن القيم:

    ففي وسائل الشيعة: عَنْ عُمَرَ بْنِ وَاقِدٍ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ u فِي حَدِيثٍ أَنَّهُ قَالَ إِذَا حُمِلْتُ إِلَى الْمَقْبُرَةِ الْمَعْرُوفَةِ بِمَقَابِرِ قُرَيْشٍ فَالْحَدُونِي بِهَا وَلَا تَرْفَعُوا قَبْرِي أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ أَصَابِعَ مُفَرَّجَاتٍ الْحَدِيثَ.

    وفي الكافي :عَنِ الْحَلَبِيِّ قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ u يُغَسَّلُ الْمَيِّتُ ثَلَاثَ غَسَلَاتٍ مَرَّةً بِالسِّدْرِ وَمَرَّةً بِالْمَاءِ يُطْرَحُ فِيهِ الْكَافُورُ وَمَرَّةً أُخْرَى بِالْمَاءِ الْقَرَاحِ ثُمَّ يُكَفَّنُ وَقَالَ إِنَّ أَبِي كَتَبَ فِي وَصِيَّتِهِ أَنْ أُكَفِّنَهُ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ أَحَدُهَا رِدَاءٌ لَهُ حِبَرَةٌ وَثَوْبٌ آخَرُ وَقَمِيصٌ قُلْتُ وَلِمَ كَتَبَ هَذَا قَالَ مَخَافَةَ قَوْلِ النَّاسِ وَعَصَّبْنَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِعِمَامَةٍ وَشَقَقْنَا لَهُ الْأَرْضَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ كَانَ بَادِناً وَأَمَرَنِي أَنْ أَرْفَعَ الْقَبْرَ مِنَ الْأَرْضِ أَرْبَعَ أَصَابِعَ مُفَرَّجَاتٍ وَذَكَرَ أَنَّ رَشَّ الْقَبْرِ بِالْمَاءِ حَسَنٌ.

    وفيه أيضاً: عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ u قَالَ يُدْعَى لِلْمَيِّتِ حِينَ يُدْخَلُ حُفْرَتَهُ وَيُرْفَعُ الْقَبْرُ فَوْقَ الْأَرْضِ أَرْبَعَ أَصَابِعَ.

    وفيه: عَنِ السَّكُونِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ u أَنَّ النَّبِيَّ r نَهَى أَنْ يُزَادَ عَلَى الْقَبْرِ تُرَابٌ لَمْ يُخْرَجْ مِنْهُ.

    وفي وسائل الشيعة: عن مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ قَالَ: قَالَ الصَّادِقُ u : كُلُّ مَا جُعِلَ عَلَى الْقَبْرِ مِنْ غَيْرِ تُرَابِ الْقَبْرِ فَهُوَ ثِقْلٌ عَلَى الْمَيِّتِ.

    وفيه أيضاً : عَنِ ابْنِ الْقَدَّاحِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ u قَالَ: قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ u: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ r فِي هَدْمِ الْقُبُورِ وَكَسْرِ الصُّوَرِ.

    وفيه: عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّوْفَلِيِّ عَنِ السَّكُونِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ u قَالَ: قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ r: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ r إِلَى الْمَدِينَةِ فَقَالَ: لَا تَدَعْ صُورَةً إِلَّا مَحَوْتَهَا وَلَا قَبْراً إِلَّا سَوَّيْتَهُ وَلَا كَلْباً إِلَّا قَتَلْتَهُ.

    وَرَوَاهُ الْبَرْقِيُّ فِي الْمَحَاسِنِ عَنِ النَّوْفَلِيِّ مِثْلَهُ.

    وفيه: عَنْ جَرَّاحٍ الْمَدَائِنِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ u قَالَ: لَا تَبْنُوا عَلَى الْقُبُورِ وَلَا تُصَوِّرُوا سُقُوفَ الْبُيُوتِ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ r كَرِهَ ذَلِكَ.

    وفيه: مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r : لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي قِبْلَةً وَلَا مَسْجِداً فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَعَنَ الْيَهُودَ حَيْثُ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ

    وفيه: عَنْ زُرَارَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ u قَالَ: قُلْتُ لَهُ الصَّلَاةُ بَيْنَ الْقُبُورِ قَالَ: بَيْنَ خَلَلِهَا وَلَا تَتَّخِذْ شَيْئاً مِنْهَا قِبْلَةً فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ r نَهَى عَنْ ذَلِكَ وَقَالَ لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي قِبْلَةً وَلَا مَسْجِداً فَإِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ.

    وفي الْإِرْشَادِ للْمُفِيدُ: عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى مَوْلَى آلِ سَامٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ u قَالَ إِنَّ أَبِي اسْتَوْدَعَنِي مَا هُنَاكَ فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قَالَ ادْعُ لِي شُهُوداً فَدَعَوْتُ لَهُ أَرْبَعَةً مِنْ قُرَيْشٍ فَقَالَ اكْتُبْ هَذَا مَا أَوْصَى بِهِ يَعْقُوبُ بَنِيهِ إِلَى أَنْ قَالَ وَأَوْصَى مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ إِلَى جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَأَمَرَهُ أَنْ يُكَفِّنَهُ فِي بُرْدِهِ الَّذِي كَانَ يُصَلِّي فِيهِ الْجُمُعَةَ وَأَنْ يُعَمِّمَهُ بِعِمَامَتِهِ وَأَنْ يُرَبِّعَ قَبْرَهُ وَيَرْفَعَهُ أَرْبَعَةَ أَصَابِعَ وَأَنْ يَحُلَّ عَنْهُ أَطْمَارَهُ عِنْدَ دَفْنِهِ الْحَدِيثَ. وَرَوَاهُ الْكُلَيْنِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مِثْلَهُ.

    وفي وسائل الشيعة: عَنْ عُبَيْدِ بْنِ زُرَارَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ u يَقُولُ: الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إِلَّا بِئْرَ غَائِطٍ أَوْ مَقْبَرَةً أَوْ حَمَّاماً.

    وفيه: عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ الصَّادِقِ عَنْ آبَائِه عليهم السلامِ فِي حَدِيثِ الْمَنَاهِي قَالَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ r أَنْ تُجَصَّصَ الْمَقَابِرُ وَيُصَلَّى فِيهَا وَنَهَى أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ فِي الْمَقَابِرِ وَالطُّرُقِ وَالْأَرْحِيَةِ وَالْأَوْدِيَةِ وَمَرَابِطِ الْإِبِلِ وَعَلَى ظَهْرِ الْكَعْبَةِ.

    وفي الكافي: عَنْ مُصَدِّقٍ عَنْ عَمَّارٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ u فِي حَدِيثٍ قَالَ سَأَلْتُهُ عَنِ الرَّجُلِ يُصَلِّي بَيْنَ الْقُبُورِ قَالَ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقُبُورِ إِذَا صَلَّى عَشَرَةَ أَذْرُعٍ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَعَشَرَةَ أَذْرُعٍ مِنْ خَلْفِهِ وَعَشَرَةَ أَذْرُعٍ عَنْ يَمِينِهِ وَعَشَرَةَ أَذْرُعٍ عَنْ يَسَارِهِ ثُمَّ يُصَلِّي إِنْ شَاءَ.

    وفي وسائل الشيعة: عن يُونُسَ بْنِ ظَبْيَانَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ u أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r نَهَى أَنْ يُصَلَّى عَلَى قَبْرٍ أَوْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ أَوْ يُبْنَى عَلَيْهِ.

    وفيه أيضاً: عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ u قَالَ إِنَّ جَبْرَئِيلَ u قَالَ إِنَّا لَا نَدْخُلُ بَيْتاً فِيهِ صُورَةٌ وَلَا كَلْبٌ يَعْنِي صُورَةَ إِنْسَانٍ وَلَا بَيْتاً فِيهِ تَمَاثِيلُ .

    وفيه: عَنْ حَاتِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنْ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَلِيّاً كَانَ يَكْرَهُ الصُّورَةَ فِي الْبُيُوتِ.

    وفي الكافي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَحَدِهِمَا u أَنَّهُ قَالَ: لَا تَشْرَبْ وَأَنْتَ قَائِمٌ وَلَا تَبُلْ فِي مَاءٍ نَقِيعٍ وَلَا تَطُفْ بِقَبْرٍ وَلَا تَخْلُ فِي بَيْتٍ وَحْدَكَ وَلَا تَمْشِ فِي نَعْلٍ وَاحِدٍ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ أَسْرَعَ مَا يَكُونُ إِلَى الْعَبْدِ إِذَا كَانَ عَلَى بَعْضِ هَذِهِ الْأَحْوَالِ وَقَالَ: إِنَّهُ مَا أَصَابَ أَحَداً شَيْءٌ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ فَكَادَ أَنْ يُفَارِقَهُ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ.

    وبطبيعة الحال فإن جميع هذه الروايات موجودة لدى أهل السنة والجماعة، ولكني أحببت إيراد ما ورد في كتب الشيعة فقط؛ لعلمي المسبق أنهم لا يعترفون بصحة أحاديث أهل السنة والجماعة المنقولة نقلاً صحيحاً عن رسول الله r.





    «« توقيع ابو غسان »»

  10. #10
    عضو
    الحالة : ابو غسان غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 5223
    تاريخ التسجيل : Nov 2009
    الجنـس : رجل
    المشاركات : 3,405
    المذهب : سني
    التقييم : 52

     

     

    افتراضي


    تحرير نقاط الخلاف بين أهل السنة والشيعة في التوحيد

    من خلال ما قرأته من كتب الطرفين في مسألة التوحيد والشرك، ومن خلال الردود التي كتبت بينهما؛ إستطعت التوصل إلى تحرير مكامن النزاع والخلاف بينهما.

    والخلاف والنزاع إذا أمكن تحريره وتحديد جوهره، أصبح من السهل علاجه من خلال عرضه على كتاب الله تعالى وسنة نبيه r .

    قال تعالى: ﴿ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾[النساء/59] ومعنى الرد إلى الله سبحانه الرد إلى كتابه، ومعنى الرد إلى رسوله صلى الله عليه وسلم الرد إلى سنته بعد وفاته.

    فمن كان دليل الكتاب والسنة معه فهو على الحق وهو الأولى بالحق وإن كان واحدا. ومن كاندليل الكتاب والسنة عليه لا له كان هو المخطئ، وإن كانوا عددا كثيرا.

    وبهذا حكم أمير المؤمنين u في عهده إلى الأشتر فقال: ( واردد إلى الله ورسوله ما يضلعك من الخطوب ويشتبه عليك من الأمور فقد قال الله سبحانه لقوم أحب إرشادهم: ﴿ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ﴾ فالرد إلى الله الأخذ بمحكم كتابه والرد إلى الرسول الأخذ بسنته الجامعة غير المفرقة.)([52]).

    وإذا كان المسلمون قد إختلفوا في سنة رسول الله r ، فالشيعة لا يعترفون بصحة ما في كتب الحديث عند أهل السنة؛ وأهل السنة لا يعترفون بصحة كتب الروايات عند الشيعة؛ ولكنهم يستطيعون أن ينظروا إلى الأمر الذي اختلفوا فيه، ما كان حكمه عند المهاجرين والأنصار الذين رضي الله عنهم، ورضي عن الذين اتبعوهم بإحسان، والقرون الثلاثة الأولى الذين هم خير أمة أخرجت للناس هل فعله أؤلئك أم تركوه؟ فما فعلوه نفعله، وما تجنبوا فعله نتجنبه، وهذا أسلم الطرق وأقلها كلفة في نيل رضاء الله تعالى، والإبتعاد عن الوقوع في الشبهات والمهالك.

    وهنا أود الإشارة إلى أن جل الزيارات التي تقوم بها الشيعة بطقوسها وكيفياتها إلى مراقد الأئمة، هي من البدع التي ما تعبّد بها رسول الله r ولا تعبّد بها سيدنا علي ولا الحسن ولا الحسين عليهم السلام، وإنما أُبتدعت بعدهم. وسنأتي على الكلام فيها في موضعها إن شاء الله تعالى.
    الخلل الشيعي في التوحيد

    من خلال إطلاعي عن كثب على واقع الشيعة العملي، ومن خلال قراءتي المستمرة لما كتبوه في التوحيد والشرك، وما كتبوه في الرد على أهل السنة ( الوهابية ) ورد الوهابية عليهم، تبين لي أن الخلل في الفكر الشيعي يكمن في :

    الخلل الأول: إصرارهم على إقتحام قلاع الشرك، والسبل المؤدية إليه، وعدم التقيد بقواعد السلامة التي أسلفنا ذكرها في الباب الأول؛ وإصرارهم على تغليب جانب الإئمة على حق الله تعالى في الدعاء والإستعانة والإستغاثة.

    وبطبيعة الحال لم يأت هذا الإصرار عن فراغ، إنما أتى من خلال ما ورثوه من عقائد غالية في أئمتهم، وطقوس وممارسات يومية ورثوها عن الآباء والأسلاف وما توارثوه في كتبهم من روايات لا تمت إلى الإسلام بصلة، ويرفضها الكتاب والسنة. بل هي من وضع الزنادقة بعد وفاة أئمة أهل البيت رضي الله تعالى عنهم.

    ومع أنهم رووا في كتبهم عن الأئمة أنهم قالوا لهم: ( دعوا ما خالف كتاب الله وقول رسول الله r )([53])، إلا أنهم لجأوا إلى تبرير ما يخالف كتاب الله تعالى وسنة نبيه r إلى مثل هذه الرواية المروية (عن سفيان بن السمط قال: قلت لأبي عبد الله u جعلت فداك إن رجلا يأتينا من قبلكم يعرف بالكذب فيحدث بالحديث فنستبشعه فقال أبو عبد الله u: ( يقول لك إني قلت لليل إنه نهار أو للنهار إنه ليل قال: لا، قال: فإن قال لك هذا إني قلته

    فلا تكذب به فإنك إنما تكذبني)([54])، وتخلصوا من كل ما هو مشترك بينهم وبين أهل السنة، عن طريق مبدأ ( ما خالف العامة ففيه الرشاد )([55]).

    فالخلل الأول الذي وقعوا فيه إذن يأتي من تغليب جانب الأئمة على حق الله I ؛ ولم أقل حق الأئمة، لأن حق الإمام لا يتعارض مع حق الله تعالى في التوحيد.

    أما الخلل الثاني: فيكمن في حصرهم لكلمة ( من دون الله ) التي وردت في القرآن في مواضع كثيرة بـ( الأصنام ) فقط، على أساس أن هذه الآيات نزلت يومها وهي تخاطب المشركين الذين كانوا يعبدون الأصنام والأوثان.

    وبصنيعهم هذا أخرجوا أئمتهم من مدلول هذه الكلمة، فمهما أتوا من أفعال تجاه أئمتهم تعتبر في حقيقتها عبادة لله عز وجل، فهي في نظرهم، إما لا تعتبر من العبادات، أو أن صرفها للإمام هي بمثابة جعلها لله سبحانه وتعالى.

    وكان الأجدر بهم أن يحملوا هذه الكلمة على عمومها لتشمل كل معبود من دون الله تعالى، سواء من البشر أو الشجر أو الحجر؛ لأن القرآن الكريم نزل يخاطب البشرية عموماً في كل زمان ومكان، وهي شريعة الله تعالى الصالحة للتطبيق منذ نزولها وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

    الخلل الثالث: يكمن في عدم إعتبار بعض مصاديق الشرك من الشرك بالله، كدعاء الإمام والطلب منه في الأمور التي هي من خصائص الله تعالى([56]).

    يقول شيخهم عبدالله دشتي: ( خلاصة وحصيلة العرض السابق: المهم بهذا العرض يظهر سخف الاستدلال على شرك من يدعو الأنبياء أو الأولياء دعاء مسألة بمثل قوله تعالى ﴿ أَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا ﴾ الجن / 18 أو قوله تعالى ﴿ وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ ﴾ يونس / 106 كما في استدلالات ابن عبدالوهاب، فمن الواضح أنها آيات تتحدث عن دعاء العبادة لا دعاء المسألة ، ولا يشك أحد بأن من يدعو غير الله دعاء عبادة مشرك)([57]).

    ويقول أيضاً: ( فمن يستشفع بالميت ينطلق من الاعتقاد بأن له حياة برزخية يسمع بها الأحياء ويستند في ذلك على الآيات والروايات، وإذا ثبت أنه يسمع ويرد، فهذا يعني أنه يمكن له أن يخاطب ربه ويستشفع لطالب الشفاعة ، وكل من يدعو بعض الأنبياء والأولياء ويطلب منهم الشفاعة حال موتهم ينطلق من ذلك وإن أمكن أن يكون مخطئا بسبب خطأ الأدلة وأما مشركا فلا)([58]).

    ويقول شيخهم جعفر السبحاني: ( حصر العبادة باللّه سبحانه ـ أمر لا غبار عليه . . أي لا نزاع لأحد في أنّه لا تجوز عبادة غيره، وإنّما الكلام في أنّ هذا الأمر هل هو عبادة غيره سبحانه أو لا ؟)([59]).

    ويقول أيضاً: ( التوحيد في العبادة: والمراد منه حصر العبادة في اللّه سبحانه، وهذا هو الأصل المتّفق عليه بين جميع المسلمين بلا أيّ اختلاف فيهم قديماً أو حديثاً فلا يكون الرجل مسلماً ولا داخلاً في زمرة المسلمين إلاّ إذا اعترف بحصر العبادة في اللّه، أخذاً بقوله سبحانه: ﴿ إيّاكَ نَعْبُدُ وَإيّاكَ نَسْتَعين﴾ (الفاتحة|5) وليس أصل بين المسلمين أبين وأظهر من هذا الأصل، فقد اتّفقوا على العنوان العام جميعهم ومن تفوّه بجواز عبادة غيره فقد خرج عن حظيرة الإسلام.

    نعم وقع الاختلاف في المصاديق والجزئيات لهذا العنوان، فهل هي عبادة غير اللّه أو أنّها تكريم واحترام وإكبار وتبجيل)([60]).

    ويقول شيخهم جعفر كاشف الغطاء: ( وإذا تبيّن بهذه الأخبار المتواترة، أنهم يسمعون ويعقلون ويعرفون من يخاطبهم، صحّ لنا أن نخاطبهم مخاطبة الأحياء فنلتمس دعاءهم، ونقسم عليهم بالأقسام في أن يكونوا شفعاء لنا في الدنيا وفي يوم القيام، لأنّ الشفاعة أظهر فرديها أنها دعاء خاص، واختصاص الخواص بها باعتبار قبولها.

    فلو قال قائل لنبي، أو وصي، أو عبد صالح: إشفع لي، أو إدع لي، أو أغثني، أو أعنّي (أي بدعائك)، أو قال: إقض لي حاجتي، أو إرزقني مالاً، وأدفع الضرر عني، ونحو ذلك ولا يريد سوى التوسط بالدعاء وسؤال الله، لم يكن عليه شيء)([61]).

    ويقول شيخهم أبو القاسم الخوئي: (والذي أوقع ابن تيمية في الغلط - إن لم يكن عامدا لتفريق كلمة المسلمين - وهو تخيله أن الأمور المذكورة شرك بالله، وعبادة لغيره. ولم يدرك أن هؤلاء الذين يأتون بهذه الأعمال يعتقدون توحيد الله، وأنه لا خالق ولا رازق سواه، وأن له الخلق والأمر، وإنما يقصدون بأفعالهم هذه تعظيم شعائر الله، وقد علمت أنها راجعة إلى تعظيم الله والخضوع له والتقرب إليه سبحانه، والخلوص لوجهه الكريم، وأنه ليس في ذلك أدنى شائبة للشرك، لان الشرك - كما عرفت - أن يعبد الإنسان غير الله. والعبادة إنما تتحقق بالخضوع لشئ على أنه رب يعبد، وأين هذا من تعظيم النبي الأكرم وأوصيائه الطاهرين – عليهم السلام - بما هو نبي وهم أوصياء، وبما أنهم عباد مكرمون، ولا ريب في أن المسلم لا يعبد النبي أو الوصي فضلا عن أن يعبد قبورهم. وصفوة القول: أن التقبيل والزيارة وما يضاهيهما من وجوه التعظيم لا تكون شركا بأي وجه من الوجوه، وبأي داع من الدواعي، ولو كان كذلك لكان تعظيم الحي من الشرك أيضا، إذ لا فرق بينه وبين الميت من هذه الجهة)([62]).

    الخلل الرابع: تشبيههم للخالق بالمخلوق:([63])

    يقول شيخهم جعفر كاشف الغطاء: (فمن أراد الاستجارة والاستغاثة بـ (زيد) فله طريقان:

    أحدهما: أن يهتف بإسمه.

    وثانيهما: أن ينادي بصفاته، أو مكانه، أو خدمه.

    وثانيهما أقرب إلى الأدب، وأرغب لطباع أرباب الرتب، فلا يكون المستغيث ببيت الله، أو بصفات الله، أو برسل الله، أو المقربين عند الله، إلا مستغيثاً بالله؛ فكلّما دعا مخلوقاً مقرباً عند الله، أو استغاث به قاصداً بحسن التعبير الأستغاثة باللطيف الخبير، فليس عليه بأس في ذلك، بل هو سالك في الآداب أحسن المسالك)([64]).

    وقال أيضاً: ( وإن أريد دعاؤه والأستغاثة به للدعاء والشفاعة، أو من التصرف في العبارة، كما تقول: يا رحمة الله، ويا بيت الله، ويا عبدالله، ولا تريد إلاّ نداء الله ودعاءه، واستغاثتة، فهذا من أعظم الطاعات، وفيه محافظة على الآداب من كل الجهات)([65]).

    الخلل الخامس: الشرك لا يتحقق حتى يكون هناك إستغراق في عبادة غيره من موقع التأله: أي الإعتقاد الخاص بألوهية أو ربوبية المدعو.

    يقول شيخهم محمد حسين فضل الله: (أمّا الشرك في عبادة اللّه، فإنه ينطلق من الاستغراق في عبادة غيره من موقع التألّه، أو من موقع الإيحاء بالأسرار الإلهية الكامنة في ذاته)([66]).

    ويقول شيخهم جعفر كاشف الغطاء: (وبيانه: أنّ لفظ (الدعاء) لا يراد به المعنى اللغوي، وإلاّ لكفر جميع الخلق، فالمراد دعاء العبودية والمربوبية، كمن دعا الأصنام أو الصالحين، مع إعتقاد ربوبيتهم، وقصد عبوديتهم، مكتفين بها عن عبادة الله، أو مشركين أولئك مع الله لقصد وصول النفع إليهم منهم، وليقربوا إلى الله زلفى)([67]).

    ويقول شيخهم جعفر السبحاني في قوله تعالى﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا ﴾ [النساء/64]: ( ومن يتوسل من المسلمين بعد رحيل نبيهم الاَكرم فإنّما يتوسل بنفس ذلك الملاك الموجود في زمن حياته لا بملاك انّه مسيطر على العالم، واختصاص الآية ـ على زعمهم ـ بحياة النبيّ لا يضر بالاستدلال، لانّ الهدف هو أنّ الداعي للتوسل في كلتا الفترتين أمر واحد سواء اختصت الآية بفترة الحياة أم لا.)([68]).

    ثم يضيف قائلاً: ( والذي كان يجمع المشركين في معسكر واحد هو اعتقادهم بمالكية الآلهة شيئاً من الربوبية وإدارة الكون وحياة الاِنسان)([69]).

    ويقول أيضاً: ( وعلى ضوء هذه التعاريف الثلاثة يظهر الفرق الجوهري بين التوحيد في العبادة والشرك فيها، فكلّ خضوع نابع عن اعتقاد خاص بإلهية المخضوع له وربوبيته أو تفويض الاَمر إليه فهو عبادة للمخضوع له سواء كان ذلك الاعتقاد الخاص في حقّ المعبود حقاً ـ كما في اللّه سبحانه ـ أو باطلاً كما في حقّ الأصنام. وعلى كلّ تقدير فالخضوع الناجم عن هذا النوع من الاعتقاد، عبادة للمخضوع له.

    وأمّا لو كان الخضوع مجرداً عن هذه العقيدة فهو تعظيم وتكريم، وليس بعبادة، ولا يكون الخاضع مشركاً، ولا عمله موصوفاً بالشرك، غاية الأمر ربما يكون حلالاً كما في الخضوع أمام الأنبياء والأولياء ومن وجب له حقّ بالتعليم والتربية، وربما يكون حراماً كالسجود أمام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والولي «عليه السلام» وغيرهما لا لاَنّه عبادة للمسجود له، بل لأنه لا يجوز السجود لغيره سبحانه وانّ السجود خضوع لا يليق بغيره.

    وبمثل هذا البيان تتميز العبادة عن التعظيم، فتقبيل المصحف وضرائح الأنبياء وما يمتّ إليهم بصلة إذا كان فارغاً عن اعتقاد الاُلوهية والربوبية والتفويض فهو ليس عبادة للمخضوع له.)([70]).

    ومما قاله أيضاً: (إنّ العبادة ليست خضوعاً فارغاً مهما بلغ أعلاه بل خضوعاً نابعاً عن عقيدة خاصة وهي الاعتقاد بكون المخضوع له ربّاً، أو إلهاً، أو مصدراً للاَفعال الاِلهية )([71]).

    ويقول شيخهم ناصر مكارم الشيرازي: ( من الشرك أن يطلب الإنسان من أحدٍ شيئاً يختص به الخالق, ومن الشرك أن يتجه الإنسان في ذلك الطلب إلى فرد يعتبره قادراً بشكل مستقل عن تلبية ذلك الطلب. أما إذا طلب الإنسان من أحدٍ شفاعةً منحها له الله، فما ذلك بشرك؛ بل هو عين الإيمان والتوحيد، ويشهد على ذلك كلمة ـ مع ـ في قوله تعالى: ﴿ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا ﴾ [الجن/18]، التي تفيد أن المنهي عنه هو دعوة شخص نعتبره في منزلة الله, ونعتبره مصدراً مستقلاً في التأثير)([72]).

    هذا هو مجمل الخلل الفكري الشيعي في التوحيد والشرك. وسنناقشه لاحقاَ بعد أن نبين مجمل الخلل الوهابي في التوحيد والشرك من وجهة نظر الشيعة.





    «« توقيع ابو غسان »»

صفحة 1 من 3 123 الأخيرةالأخيرة

أثر الامامة على التوحيد

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. من الامامة الى الفيفا
    بواسطة abouyahya68 في المنتدى حوار هادف مع المخالفين لأهل السنة والجماعة
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 04-10-2014, 07:24 AM
  2. اين الامامة في هذا الحديث؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
    بواسطة الحسني في المنتدى حوار هادف مع المخالفين لأهل السنة والجماعة
    مشاركات: 37
    آخر مشاركة: 10-23-2013, 10:43 AM
  3. الامامة في القرآن 1
    بواسطة عاشق قسيم الجنة والنار في المنتدى حوار هادف مع المخالفين لأهل السنة والجماعة
    مشاركات: 6
    آخر مشاركة: 10-04-2008, 08:07 AM
  4. حوار حول الامامة ؟؟؟
    بواسطة ام هدى في المنتدى حوار هادف مع المخالفين لأهل السنة والجماعة
    مشاركات: 9
    آخر مشاركة: 09-28-2008, 05:39 PM
  5. لا يوجد نص على الامامة !!!
    بواسطة الفاروق في المنتدى حوار هادف مع المخالفين لأهل السنة والجماعة
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 12-31-2007, 02:53 PM

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  

أثر الامامة على التوحيد

أثر الامامة على التوحيد