مما لاشك فيه أنه لم يرد في كتب أهل السنة ذكر صريح في تحريف القرآن، لا بزيادة ولا نقصان،، وقد أجمع أهل العلم من زمن الصحابة وإلى يومنا هذا أن القرآن الموجود الآن بين المسلمين هو نفسه القرآن الذي أنزله الله تعالى على قلب سيدنا محمد .

ولقد قال بعض علماء الشيعة وصرحوا بمثل إعتقاد أهل السنة، فهذا أبو القاسم الخوئي يقول: ( إن حديث تحريف القرآن حديث خرافة وخيال، لا يقول به إلا من ضعف عقله، أو من لم يتأمل في أطرافه حق التأمل، أو من ألجأه إليه يجب القول به. والحب يعمي ويصم، وأما العاقل المنصف المتدبر فلا يشك في بطلانه وخرافته).

لكنه عاد ليقول أن إسناد الجمع إلى الخلفاء أمر موهوم، ولكنه برأهم من تحريف القرآن، ولنا وقفة معه عند الكلام في شبهات الشيعة والمستشرقين حول الطعن في جمع القرآن ونسخ التلاوة.



الفصل الأول

مراحل وطريقة جمع القرآن

لقد أكثر الشيعة من الطعن في روايات أهل السنة في طريقة وكيفية جمع الصحابة للقرآن، وقالوا: لو صحت هذه الروايات فمن غير المأمون أن يتطرق النقص أو التحريف للقرآن الكريم لما تضمنته هذه الروايات من الإختلاف والتناقض.

أما هم فقد إنقسموا إلى رأيين:

الرأي الأول: يرى أن القرآن لابد وأن ينقل بطريق التواتر، وقالوا: لا يضر كفر الصحابة في التواتر، لأن التواتر ليس من شرطه إيمان الناقلين. إلا أنهم قالوا: لابد أن يكون أمير المؤمنين علي قد وافقهم على هذا القرآن كما هو الآن بين الدفتين.

أما أصحاب الرأي الثاني: فقد إستراحوا من العناء والبحث، وقالوا إن أمير المؤمنين قد جمع القرآن كما أنزل على نبينا محمد بعد وفاته وأخرجه إليهم، فلم يقبلوا به، وهو الآن عند الحجة ( عج ). وقالوا: إنما أُمرنا بقراءة هذا القرآن حتى يخرج صاحب الزمان فيخرج القرآن الصحيح.

وبغض النظر عن إختلاف أحاديث جمع القرآن وتناقضها، إلا أن إعتقاد المسلم يجب أن لا يتزعزع بسلامة القرآن، لأنه بسلامة القرآن يسلم له دينه، وألاّ فلا قرآن يبقى ولا دين يسلم، ولا نبوة تثبت.

يقول أبو القاسم الخوئي: ( قد أطبق المسلمون بجميع نحلهم ومذاهبهم على أن ثبوت القرآن ينحصر طريقه بالتواتر. واستدل كثير من علماء السنة والشيعة على ذلك: بأن القرآن تتوافر الدواعي لنقله، لأنه الأساس للدين الإسلامي، والمعجز الإلهي لدعوة نبي المسلمين، وكل شئ تتوفر الدواعي لنقله لا بد وأن يكون متواترا. وعلى ذلك فما كان نقله بطريق الآحاد لا يكون من القرآن قطعا)([69]).

وبما أن كتب أهل السنة والجماعة جاءت ـ والحمد لله ـ خالية من هذه الفرية، ولا يوجد عالم واحد أو فقيه من أهل السنة يقول بتحريف القرآن، لذلك إخترع علماء الشيعة أسبابا واهية لعلهم يلصقون التهمة إلى أهل السنة فيشتركون معهم في القول بتحريف القرآن، فما كان منهم إلاّ طعنوا في طريقتهم لجمع القرآن، بسبب تضارب وإختلاف بعض الروايات في ذلك. وما نقل عن بعض الصحابة من القول بنسخ التلاوة وبقاء الحكم، فقالوا: ( إن القول بنسخ التلاوة هو بعينه القول بالتحريف، وعليه فاشتهار القول بوقوع النسخ في التلاوة - عند علماء أهل السنة - يستلزم اشتهار القول بالتحريف)([70]).

لذلك رأيت أن أبحث وبشكل موجز في طريقة جمع القرآن في عهد النبي ومن ثم في عهد الخليفة الراشد أبي بكر الصديق t بإقتراح ومشاورة من عمر t ، ثم الجمع الأخير في عهد الخليفة عثمان بن عفان t.

ثم نبحث في النسخ وأنواعه، وأخيرا في الطعن الموجه إلى أهل السنة في ذلك، ثم نجري مقارنة بين التحريف المنسوب إلى أهل السنة وبين التحريف الذي يقول به الشيعة.

المبحث الأول

نزول القرآن وجمعه في عهد النبي الأكرم ( الجمع الأول )

مما لاشك فيه أن القرآن الكريم كان مجموعا في صدر النبي وهي مرحلة سابقة على جمعه في مصحف واحد. وقد دل على هذا الجمع قوله تعالى: ] إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ [[القيامة/17] فهو جمع من الله تعالى له في صدر نبيه عليه السلام منة من الله وفضلا بدون تعب من النبي عليه السلام أو بذل جهد لحفظه، وتلك خاصية اختص بها دون سائر الأمة([71]).

وكان الصحابة بعد ذلك يتسابقون إلى حفظ ما نزل من القرآن في صدورهم. فالعرب بسبب قلة الكتابة فيهم كانوا على درجة كبيرة من قوة الحفظ وسيلان الذاكرة، ( ولذلك كان جل اعتمادهم في تورايخهم وأخبارهم ومعاوضاتهم وسائر أحوالهم على الحفظ حتى قويت هذه الملكة عندهم، وندر أن يقع منهم خطأ أو نسيان لشيء مما حفظوه. بخلاف من يعتمد على الكتابة من الأمم المتعلمة المتمرنة عليها: فإنه تضعف فيهم ملكة الحفظ ويكثر عندهم الخطأ والنسيان لما حفظوه، وهذه الحال مشاهدة فيما بيننا)([72]).

ثم جاءت المرحلة الثانية بعد ذلك وهي جمعه له في الصحف كتابة، حيث كان رسول الله إذا نزل عليه شيء من القرآن يدعو بعض من يكتب عنه، وكانوا يكتبونه على: العسب، واللخاف، والرقاع، والكرانيف، وقطع الأديم، وعظام الأكتاف، والأضلاع، والأقتاب.

وقد ورد في قصة إسلام عمر بن الخطاب t أن أوائل سورة (طه) كانت مكتوبة في رقعة في بيت فاطمة بنت الخطاب أخت عمر، ولم تكن هذه الصحيفة إلا واحدة من صحف كثيرة متداولة بين المسلمين في مكة يقرءون فيها القرآن.

( فإن قال قائل: إذا كان أمر النبي r بكتابة القرآن ليس منشؤه حجيته ولا أن الكتابة مفيدة للقطع، فما الحكمة إذن في هذا الأمر؟ وما الحكمة في أنه لم يأمر بكتابة السُنَّةِ؟.

قلت: الحكمة في أمره بكتابة القرآن هي بيان ترتيب الآيات ووضع بعضها بجانب بعض، فإنه بالاتفاق بين العلماء توقيفي نزل به جبريل في آخر زمنه r. وقد كان القرآن ينزل من قبل نُجُومًا على حسب الوقائع. وبيان ترتيب السور، فإنه اَيْضًا توقيفي على الراجح، وزيادة التأكيد، فإنا لا ننكر أن الكتابة طريق من طرق الإثبات وهي وإن كانت أضعف من السماع - فضلاً عن التواتر اللفظي - إذا انضمت إلى ما هو أقوى منها في الإثبات زادته قوة على قوة.

وإنما احتيج إلى زيادة التأكيد في القرآن لكونه كتاب الله تعالى وأعظم معجزة لسيدنا محمد r المبعوث إلى الخلق كافة إلى يوم القيامة. ولكونه المعجزة الباقية من بين سائر معجزاته إلى يوم الدين. لتكون للمتأخرين دليلاً ساطعًا على نبوته وبرهانًا قاطعًا على رسالته. ولكونه أساس الشريعة الإسلامية وإليه ترجع سائر الأدلة الشرعية في ثبوت اعتبارها في نظر الشارع. وثبتت به جميع العقائد الدينية التي لا بد منها وأمهات الأحكام الفرعية. ويترتب على ضياعه ضياع هذه الأمور كلها وتقويض الشريعة جميعًا. ولكونه قد تعبدنا الله بتلاوة لفظه في الصلاة وغيرها ولم يجز لنا أن نبدل حَرْفًا منه بحرف آخر)([73]).

انقضى العهد النبوي السعيد والقرآن مجموع على هذا النمط، دون أن يجمع ويكتب على الصورة التي نجدها للمصحف اليوم.

قال الخطابي: ( إنما لم يجمع القرآن في المصحف لما كان يترقبه من ورود ناسخ لبعض أحكامه أو تلاوته، فلما انقضى نزوله بوفاته، ألهم الله الخلفاء الراشدين ذلك، وفاء بوعده الصادق بضمان حفظه على هذه الأمة، فكان ابتداء ذلك على يد الصديق بمشورة عمر)([74]).

روى الإمام أحمد في مسنده بأن النبي كان هو الذي يقرر ترتيب الآيات، فيقول: ( ضعوا الآية كذا في موضع كذا ) أو يقول: ( ضعوا هذا في السورة التي يذكر فيها كذا ). فلم يكن ترتيب الآيات والسور خاضعا للاجتهاد منه عليه الصلاة والسلام لأن جبريل كان يعارض النبي بالقرآن مرة في رمضان من كل عام، وفي العام الذي توفي فيه عارضه به مرتين. فقد روى البخاري عن عائشة عن فاطمة عليها السلام أسر إلي النبي ( أن جبريل كان يعارضني بالقرآن كل سنة وإنه عارضني العام مرتين ولا أراه إلا حضر أجلي ).