من الذين أنعم الله عليهم بالعلم والعمل والزُهد والجهاد بالكلمة ، الإمام العظيم سفيان بن سعيد الثوري ـ رضى الله عنه و أرضاه..



مات أبوه الذى كان من ثقات علماء التابعين ، فعملت أُمّه بالغزل والنسج، لتُعينه على التفرّغ التام لطلب العلم ..و بارك الله في جهادها ، فلم تمت حتى أقرّ الله عينها برؤيته أعلم أهل زمانه.. وذاع صيته ، وهو لم يزل صبياً غضّاً، دون العشرين من عُمُره..



وقد تلقّى العلوم الشرعية عن أكثر من ستمائة شيخ.. أمّا تلاميذه الذين تلقّوا عنه الحديث والفقه ، فيُروى أنهم يتجاوزون العشرين ألفاً.. وكانوا يُلقّبونه (بأمير المؤمنين في الحديث) فلم يكن أحد أعلم بالسُنّة في زمانه منه. وقال عنه الإمام الذهبي : "كان رأسا في الزهد ، والتألّه - التعبّد- و الخوف ، رأسا في الحفظ ، رأسا في معرفة الآثار ، رأسا في الفقه ، لا يخاف في الله لومة لائم ، ومن أئمة الدين ".انتهى.



ومن تبحّر في العلم ، مثل هذا العَلَم ،لا يسعه السكوت على الاستبداد والفساد ، ولهذا اصطدم ـ رضى الله عنه ـ بالخليفتين "المهدي" و " أبو جعفر المنصور.. فعندما تولّى المهدى الحكم أرسل الى سفيان فأتاه ، وقال له : " خذ خاتمي هذا ، واعمل ما شئت في المسلمين بالكتاب والسُنّة ".. ويبدو أن العالم الجليل كان يُدرك، أن الحاكم ليس صادقاً فيما يزعم ، وإنما يُريد فقط استغلال اسمه ، وحُبّ الناس له ، في خداع الرعية، فاذا احتجّ أحدهم على قرار ظالم يقول له : بهذا أفتانا سفيان الثوري ..



وسأل سفيان الأمان قبل الكلام ، فأعطاه المهدى اياه.. وهنا قال العالم الجسور له" : لا تبعث إلى حتى آتيك ولا تعطني شيئا حتى أسألك " !!!!!!!!!!!!! .



وفي واقعة أُخرى دخل سفيان على المهدى فأنكر عليه الإسراف وتبديد أموال المسلمين .. وكان مما قاله له : " بلغني أن عمر ـ رضي الله عنه ـ أنفق في حجته اثني عشر ديناراً، وأنت فيما أنت فيه" فغضب المهدى وقال : تُريد أن أكون مثل هذا الذي أنت فيه ؟؟ يُعاير الثوري بزهده و مظهره المُتقشّف ، فردّ عليه العالم الشُجاع" : إن لم يكن مثل ما أنا فيه ، ففي دون ما أنت فيه " و في رواية أن الثوري قال للمهدى: "قد ملأت الأرض ظلماً وجوراً فاتق الله وليكن منك في ذلك عبرة.. فطأطأ الحاكم رأسه ثم قال : أرأيت إن لم أستطع دفعه ، قال سفيان : تُخلّيه لغيرك ..فطأطأ المهدى رأسه ثم قال : ارفع إلينا حاجتك .. قال سفيان: أبناء المهاجرين والأنصار ومن تبعهم بإحسان بالباب ، فاتق الله وأوصل إليهم حقوقهم " وانكشف الوجه الحقيقي للسُلْطة عندما غضب المهدى بشدّة ،وهمّ بقتل الثوري، لكن من حوله أفهموه أنه لا يُمكن النكث بوعده والغدر به ، بعد أن أعطاه الأمان أمام جمهور الحاضرين ، فضلاً عن النتائج الخطيرة التي لا يُمكن التنبؤ بها ، إذا أقدم على إعدام أكبر علماء عصره .



واضطر سفيان ـ رضى الله عنه ـ إلى الاختفاء في حفظ ربه ، بعد أن استحكمت العداوة بينه و بين السُلطة..و بالفعل جُنّ جنون المهدى عندما علم بهروب سفيان، فأصدر أمراً إلى جميع ولاة الأقاليم بالقبض عليه في أي مكان، وإرساله مُكبّلاً بالأغلال إلى بغداد.. لكن الله العليّ الكبير لم يُسَلّط على وليه أحداً.. وكانت له في ذلك أعاجيب ..منها أن سفيان اضطر للعمل مُتنكراً في بستان بأحد الأقاليم ، حتى يستغنى عن الناس.. وسأله صاحبه عن طعم الرُطَب (البلح) في بستانه ، أهو ألذ أم الرُطَب في بلده الذى جاء منه ..فاعتذر له سُفيان بأنه لم يذق من البستان شيئاً، و كان صادقاً ..فتعجّب صاحب المكان واتهمه بالكذب.. وبعد قليل حكى الرجل لصديق له ما جرى مع عامله ، فصاح الرجل به : إن كُنت صادقاً فيما أخبرتني ، فما يفعل هذا إلا سُفيان الثوري الزاهد العابد، ولو ذهبت به إلى الخليفة لأعطاك جائزة ضخمة .. وأسرع الرجلان الى البستان ، فلم يجدا سفيان !!!! .



وراح ـ رضى الله عنه ـ يتنقّل من مكان إلى آخر .. و سخّر الله له الولاة ، وحبّبه إليهم ، فكانوا يتجاهلون الأوامر المُشدّدة باعتقاله، وينصحونه بالاختباء ،حرصاً على سلامته.



ومن كرامات سُفيان الثوري الثابتة أن أبا جعفر المنصور أقسم أن يصلبه على خشبة بمكة ،ليجعله للرعية عبرة ..و نادى والى مكة في الناس :من جاء بسفيان فله كذا و كذا ، و دعا الجميع لمشاهدة قتله وصلبه.. وفي تلك اللحظة كان ولي الله راقداً في بيت الله الحرام ، واضعاً رأسه في حجر أخيه العَلَم الزاهد العابد مثله الفضيل بن عياض، ورجليه في حجر عَلَم فذّ آخر هو سفيان بن عيينة ـ رضى الله عنهم أجمعين ـ ..وقال صاحباه له : يا أبا عبد الله (كُنية الثوري) اتق الله، و لا تُشمت بنا الأعداء..فنهض الثورى، وأمسك بأستار الكعبة ،وهزّها، قائلاً : (برئت منه إن دخلها أبو جعفر)..واستجاب الله جلّ في عُلاه لعبده الصالح، فهلك أبو جعفر قبل أن يدخل مكة بخمسة عشر يوماً.. ونجا أمير العلماء من بطش السُلْطة طوال عُمُره.. واستمر يُجاهد بكلمة الحق ونشر علوم الاسلام في كل مكان، حتى صعد ،بحول ربه وقوته، إلى " جنّات ونهر ومقعد صدق عند مليك مُقتدر".



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



أهم المراجع :



ـ سير أعلام النبلاء لشيخ الاسلام الإمام الذهبي.



ـ الطبقات الكبرى لابن سعد . تهذيب التهذيب للإمام ابن حجر العسقلاني.



ـ جمهرة أنساب العرب للإمام ابن حزم.



ـ نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب للقلقشندي.