شكّل العدوان على غزّة فرصة مناسبة لتقييم الموقف الحقيقي لحزب الله من القضية الفلسطينية التي لطالما ادّعى انه يخوض حربا في سبيلها ودفاعا عنها، كما شكّل مناسبة مهمة لتقييم تحليلاتنا السابقة التي كانت تجري عكس التيار والمناخ العام الذي كان سائدا لدى شريحة واسعة من الكتّاب والجمهور والمراقبين آنذاك، والقائلة أنّ حزب الله مُني في حرب تموز من العام 2006 بهزيمة هي الأكبر على الإطلاق، وانّ هذه الحرب رسّخت عامل الردع الإسرائيلي وأدّت الى تحوّلات إستراتيجية، دفعت الحزب إلى الانكفاء نحو الداخل اللبناني للتخلّص من عبء إقفال الجبهة في وجهه وانحسار دوره كرافعة للدور الإيراني في المنطقة عبر بوابة التسلق على ظهر "العداء لإسرائيل" و"نصرة القضية الفلسطينية".
وبالتالي بات على الحزب ان يفتّش على أساليب وأدوات وتكتيكات أخرى تعمل على استعادة دوره ولكن بطرق التفافية. وفي هذا الإطار، فانه من المثير للاهتمام إذا ما راجعنا شريط الأحداث بالتاريخ والمضمون ابّان العدوان الإسرائيلي على غزّة، سنلاحظ انّ سياسة حزب الله تحوّلت من مهاجمة إسرائيل إلى مهاجمة دول عربية، ومن الطبيعي أن يتمحور دوره في هذا السياق إذا ما ربطناه بعجزه عن فعل أي شيء تجاه إسرائيل نتيجة لمفاعيل هزيمته في حرب تموز 2006.
فإذا ما أخذنا بعين الاعتبار التصريحات الرسمية التي أدلى بها نصرالله بعد انتهاء حرب تموز العام 2006، والتي بدت أقرب إلى التعهدات منها إلى التصريحات من قوله في مقابلة مع تلفزيون الجديد اللبناني في 27-8-2006 "لا جولة ثانية من الحرب مع إسرائيل"، أتبعها بقوله "لو كنا نعتقد، ولو بنسبة واحد بالمئة، أن خطفهما سيؤدي إلى ذلك (أي إلى الحرب المدمرة) لم نكن لنقدم بالتأكيد على هذا الفعل"، لأمكننا ان نفهم موقف حزب الله في العدوان الإسرائيلي على غزّة بشكل أفضل وأكثر واقعية بعيدا عن الأوهام الرومانسية أو الاندفاعات الثورية الاعتباطية والتي أصبحت مرضا لدى شريحة واسعة من العرب والمسلمين.
بمعنى آخر، لقد قرر حزب الله الهروب إلى الأمام في العدوان الإسرائيلي على غزّة عبر استخدام سلاح مكبرات الصوت بالهجوم على الدول العربية وذلك لأنه بكل بساطة لا يستطيع مجابهة إسرائيل ولا يريد أن يفعل ذلك أصلا. وقد أضر هذا الموقف بالفلسطينيين كثيرا، فبدل أن يكون الهدف المساعدة على تسهيل وحلحلة الأمور بالنسبة للفلسطينيين والمساعدة على تجاوز أبعاد العدوان الإسرائيلي عليهم، أدى هجوم حزب الله على الدول العربية وخصوصا مصر إلى تأزيم الموقف وتصعيد التوتر في العلاقة بين مصر التي هي المنفذ الوحيد للفلسطينيين على العالم وبين حركة حماس المنخرطة في المواجهات، وهنا من حق المرء أن يتساءل، هل كان هدف حزب الله مساعدة الفلسطينيين أم انّ هدفه مهاجمة المصريين؟ وهل مهاجمة المصريين تساعد على حلحلة الأمور أم تعقيدها؟ وهل يفعل حزب الله ذلك عن جهل؟ ام انّ الأوامر اتته باستغلال الموقف للتهجم على مصر في سياق معارك مصرية –إيرانية
كانت تدور رحاها منذ عدّة أشهر سبقت؟ وإذا كان الأمر كذلك فهل يعني أنّ حزب الله يكترث أصلا بالفلسطينيين؟ وأين إسرائيل من هذا الموقع وهذه الحسابات؟
ولكن السؤال الملح والمهم الذي يطرح نفسه هنا، لماذا لم يرد حزب الله مواجهة إسرائيل وهو الذي لطالما صدّع رؤوسنا بأنه الجهة الوحيدة التي تهزم إسرائيل وتحقق الانتصارات عليها وتلزم العدو بما لا تستطيع دول ان تلزمه به؟
قبل الإجابة على هذا السؤال، نود أن نؤكد على 3 معطيات نعتبرها مسلمات في العلاقة بين الحزب وإسرائيل، وهي:
1- حزب الله ليس مستقلا في قراره الاّ بحدود ضيقة جدا وتكتيكية، وقراره الرئيسي والاستراتيجي يعود إلى المرجعية الدينية للحزب التي تشمل الشأن الديني كما السياسي والعسكري، والمتمثلة سابقا بالخميني واليوم بالخامنئي المرشد الأعلى للجمهورية الإيرانية (للتفاصيل يمكن مراجعة مبحث "طبيعة العلاقة بين حزب الله وايران" في كتابنا -حزب الله تحت المجهر: رؤية شمولية مغايرة للعلاقة مع إسرائيل وإيران) . كما انّ الهدف من سلاح حزب الله ليس مقاتلة اسرائيل بالدرجة الأولى، وإنما تشكّل اسرائيل مجرّد ذريعة تسلب الآخرين الحق بمطالبة الحزب بنزع سلاحه الذي يستخدمه لمآرب أخرى لم تعد خفية على عديد من الخبراء ولسنا في صدد بحثها هنا في هذا المقال.
2- انّ الحزب لا يخوض حرب إلغاء مع إسرائيل أو حرب وجود، إنما حروب محدودة ذات قواعد ثنائية يستثمر نتائجها في سبيل الترويج لنفسه ولإيران، ولهذا فانّ حروبه مع إسرائيل يكون لها قواعد و خطوط حمراء وإشارات ثنائية.
3- انّ الحروب التي خاضها الحزب سابقا لم تكن بأي حال من الأحوال خيارا استراتيجيا وعقائديا بقدر ما هي خيار تكتيكي وموسمي الهدف منها قطف الثمار إعلاميا وإقليميا وتجييرها لإيران وسوريا. والاّ فأنا لم اعرف انّ هناك مجاهدين او مقاومين في تاريخ الشعوب يمنعون الآخرين من الجهاد والقتال إلا إذا كان لهم مصلحة معينة في حصر القتال بهم، وهذا ما فعله حزب الله منذ إقصائه الحركات الجهادية والوطنية وتوليه "حصرية المقاومة" في الجنوب.
وعودة إلى سؤالنا المطروح أعلاه، وإذا ما أردنا الآن تحليل موقف حزب الله من العدوان على غزّة من ناحية منطقية موضوعية مجرّدة، فإننا لا يمكن صرف موقفه الاّ وفق ثلاثة احتمالات اجتهادية هي:
- الاجتهاد الأول: أنّ الذي منع حزب الله من التدخل والدفاع عن الفلسطينيين أو التخفيف عنهم رغم امتلاكه القدرة على فعل ذلك كما يصرّح دوما، هو الوضع الميداني على الأرض في لبنان والذي فرض قوات دولية وفق قرارات دولية على الحزب التزامها، والتي تعني أنّ أي تحرّك لحزب الله بخلاف هذا القرار الأممي إنما يعني خرقا فاضحا له، وبالتالي استدعاء عدوان إسرائيلي جديد على لبنان استنادا إلى المستجدات.
- الاجتهاد الثاني: أنّ الحزب لم يتحرك لأنه ممثل الآن في الحكومة اللبنانية، وهو بالتالي جزء من الشرعية اللبنانية، ولذلك فهو يتحمّل مسؤولية إذا تحرّك من تلقاء نفسه، وسيؤدي ذلك إلى الإضرار بالشعب اللبناني وبه كممثل شرعي نتيجة تحمّل المدنيين أعباء تحرّكه، وبالتالي فهو الآن لا يستطيع التدخل لان قراره ليس ملكه وحده.
- الاجتهاد الثالث: أنّ الحزب لم يكن مستعدا ومتحسّبا للدخول في معركة مع العدو الإسرائيلي، وبالتالي فمن الأفضل أن لا يتم جرّه إلى معركة لم يردها هو وغير مستعد لها، اذ أنّ الأفضلية ستكون أعلى بكثير حينما يعود له تحديد المكان والزمان المناسبين والموائمين لخوض معركة لتخفيف معاناة الفلسطينيين.
هذا من الناحية الموضوعيّة المجرّدة، لكن من الناحية العملية، تخضع هذه الاجتهادات لنقاشات تعكس حقائق ونتائج متعلقة بها. فالاجتهاد الأول لو صح يوصلنا إلى نتيجة مفادها أنّ حزب الله يعترف عمليا أنّ حرب تموز 2006 شلّت قدراته على الجبهة مع إسرائيل وقيّدت عمله وسلبته وضعه السابق، كما يعني انّ الحزب أصبح يعرف تكلفة أي اشتباك مع إسرائيل وهو ما يعني اعترافا غير مباشرا بالهزيمة وبنجاح إسرائيل في تحقيق هدفها من الحرب آنذاك وهو ما يتعارض مع ادّعاء تحقيق نصر الهي!! والغريب هنا انّ فترة العدوان الإسرائيلي على غزّة شهدت إطلاق صاروخين من الأراضي اللبنانية لم يتبنّاهما أي طرف، لكنّ حزب الله سارع إلى الاستنكار متّهماً من قام بإطلاقهما بأنّه "عميل"!! في وقت كان فيه إطلاق الصواريخ قبل مدّة مفخرة إلهية ونصرا مظفّرا!!
أمّا الاجتهاد الثاني، فهو لا يصح مع حزب الله، لانّ الحزب عندما يريد أن يتحرك على مستوى يترك تداعيات إقليمية كبيرة، فان تحرّكه يأتي بناءً على قرارٍ ايراني وليس على اتّفاق مع الحكومة اللبنانية، فالمعيار عنده هو مصلحة الحزب وجمهوره والثمار التي تقطفها إيران وليس مصلحة الدولة اللبنانية أو الحكومة اللبنانية التي لا تهمّه ولا تعنيه الاّ عندما يريد أن يحتمي خلفها تحت حجّة انه حزب سياسي وانّ الدولة تتحمّل مسؤوليات هو ليس معنياً بها. ولذلك نعتقد انّ هذا اللبس هو لبس تكتيكي ريثما يستعيد الحزب والمجتمع طاقته الكاملة عندها سيتصرف بمعزل عن مصلحة الدولة اللبنانية أو الحكومة أو الشعب اللبناني.
امّا الاجتهاد الثالث،
فانه إذا صح، لا نعرف لماذا يريد الحزب احتكاره على نفسه في الوقت الذي يطالب فيه دولا في المنطقة بخوض حروب لم تختر هي أيضا توقيت أو مكان خوضها، وقد لا تريد هي أيضا أن تنجرّ الى مثل هذه الحرب في هكذا ظروف خاصّة اذا كانت هناك شكوك حول وجود جهة تدفع الفلسطينيين دفعا الى افتعال حرب مع إسرائيل التي لا تتوانى بطبيعتها عن اختلاق أي ذريعة حتى وان لم تكن موجودة لشن حرب عليهم.
وبالتالي، ففي حال صح الاجتهاد الثالث، فانه يتناقض مع قيام حزب الله بمهاجمة دول عربية بدلا من إسرائيل، اذ كيف يريدنا ان نتفهم انه لا يرى ان ينجر الى هذه الحرب جرا في حين يدفع هو باتجاه الضغط على جر دول عربية الى الحرب جرا!!
ان عقد بعض العرب الآمال الواهمة على الحزب لهو ضرب من الانتحار، وإسهام منهم في تعميق الشرخ في الدول العربية التي أصبحت حالها كحال القطيع الهائم يقوم كل ذئب بافتراس ما طاب له منها سواءً كان يحمل الهوية الأمريكية أو الإسرائيلية أو حتى الإيرانية، وهو ما يجب تصحيحه وإعادة التفكير به بشكل ملي لمن لم يتعلّم الدرس بعد.
---------------------
(1) المصدر: www.alrased.net العدد السبعون ربيع الثاني 1430هـ (مجلة الكترونية شهرية متخصصة بشؤون الفرق من منظور أهل السنة)
(2) باحث في العلاقات الدولية مقيم بلبنان
لمنتديـــات صناعة الحديث
المفضلات