محاولة تغيير هوية (مدينة سامراء) حدثت قبل 135 عاماً.
وقائع موثقة يروي تفاصيلها ( د. علي الوردي )

بقلم عاصم الفياض


هناك تحرك محموم بضوء اهتمام إعلامي محدود لفرض سيطرة الحوزة الصفوية على مدينة سامراء، بدأت منذ التفجير المشبوه لضريحي الإمامين علي الهادي وحسن العسكري في 22 شباط 2006، واستمرت إلى الآن، وشملت عزل منطقة الضريحين واستملاك 250000 متر مربع لبناء مدرسة دينية ومرافق تابعة للحوزة العميلة، ضمن مسلسل يشابه ما تم فعله من تغيير التركيبة السكانية للجنوب العراقي.

قد يظن البعض بأن ما تتعرض له سامراء الآن من مؤامرات لتغيير هويتها هي الأولى من نوعها، لكن التاريخ يقول غير ذلك.
فلا بد أن نشير في البدء إلى أن سامراء تمتاز عن غيرها من المدن العراقية بصفة خاصة فقد اجتمع فيها عاملان:
- الأول هو إن في سامراء تعتبر إحدى مزارات الشيعة.
- والثاني إن سامراء وسدنة المراقد هم من أهل السنة.

لذلك سعى الملالي دائماً لما يسمى ضمن سياستهم الطائفية تحرير المراقد في سامراء من "النواصب".!
وتبدأ القصة (حسب ما يرويه الكاتب العراقي الشهير د. علي الوردي في كتابه لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث – الجزء الثالث) في شهر أيلول عام 1874 عندما سافر المرجع الميرزا محمد حسن الشيرازي (ت 1895، ولد في شيراز سنة 1815، ودرس فيها وفي أصفهان ثم سافر إلى كربلاء سنة 1843) إلى سامراء لزيارة المراقد المقدسة لدى أتباعهم، غير انه لم يرجع من هذه الزيارة بل استقر في سامراء وهي قرية نائية آنذاك، وأخذ تلاميذه وأعضاء حوزته ينضمون إليه تدريجياً، ثم التحق إليه أفراد عائلته وأصحابه جميعاً.

وصار الشيرازي بعد استقراره في سامراء:
- ينفق الأموال الطائلة فيها.
- شيد مدرسة دينية باسم (مدرسة الميرزا)، وكانت اكبر مدرسة شيعية في العراق؟!.
- شيّد حسينية.
- شيد سوقاً كبيرة ودوراً كثيرة وحماماً للرجال وآخر للنساء.
- نصب جسراً من القوارب على دجلة بلغت تكاليفه ألف ليرة عثمانية.
- أقام شعائر العزاء من تطبير ولطم وضرب بالزناجيل.!
- دعى إلى الهجرة الشيعية من النجف وكربلاء والكاظمية وإيران إلى سامراء.!
- بذل العطاء لسكان سامراء الأصليين ولا سيما للرؤساء لضمان دعمهم.

وتحولت سامراء إلى مدينة كبيرة مكتظة بسكانها، وبدأ أهلها يميلون إلى تلك الشعائر الطائفية على غرار ما حدث لعشائر الجنوب العراقي، فالميرزا محمد حسن الشيرازي اختار أسلوب الكسب بدلاً من أسلوب العنف والقتل المتبع حالياً.

في هذه الأثناء انتبه الشيخ محمد سعيد النقشبندي في بغداد لمحاولة تغيير الطبيعة السكانية لسامراء، فقابل والي بغداد الحاج حسن باشا والذي ابرق بدوره إلى السلطان عبد الحميد يخبره بالخطر الذي يهدد سامراء، غير أن السلطان الذي كان همه جمع كلمة المسلمين حوله (حيث تبنى مشروع الوحدة الإسلامية) لم يشأ أن تؤدي قضية سامراء إلى مشاكل مع حاكم إيران الشاه ناصر الدين، فطلب من الوالي معالجة الأمر بهدوء فإذا كان الشيرازي قد فتح مدرسة شيعية في سامراء فليفتح الوالي إزاءها مدرسة سنية، ولا يزيد على ذلك شيئاً، وهذا ما فعله السيد النقشبندي، وشيد المدرسة (المهددة الآن بالهدم)، ونجح في مسعاه وبعد وفاة الشيرازي في نيسان عام 1895 حل محله الميرزا محمد تقي الشيرازي (ت 1920)..
إلا أن الأتباع عادوا بعد فشل المحاولة إلى مناطقهم في النجف وكربلاء والكاظمية وإيران، وعاد هو نفسه إلى كربلاء عام 1917على اثر الاحتلال البريطاني للعراق.

ولنترك آغا برزك الطهراني يتحدث في كتابه (المجدد الشيرازي) عن هذه الأحداث:
(... فصارت سامراء من بركة وجوده (أي الشيرازي) مركزاً للعلم والعلماء، وظهرت فيها مظاهر التشييع عن حجاب التقية والخفاء، مثل الآذان والصلاة وإقامة مجالس اللطم والنواح والعزاء، ومالت القلوب إليه كل الميل، وتنفرت عن كبرائهم أهل الحيف والميل، فوشى بالخبر إلى خليفتهم القاضي الناصبي، العنيد الشقي، الموسوم بمحمد سعيد النقشبندي، فشمر عن ذيل التعصب يداً، وأقام في التسويلات مجتهداً، مستعملاً للحيل واللطائف، مستعيناً ببناء المدرسة وإجراء الوظائف، حتى نال مراده، بما صنعه من صنيع أجداده، فوقع في العصر الأخير ما وقع في الصدر الأول، من رجوع القوم القهقرى ...).!

فهل يوجد الآن من ينتفض مثل الشيخ محمد سعيد النقشبندي؟، ويحافظ على هوية سامراء؟.

عن الرابطة العراقية