المقاطعة الاقتصادية
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد :
فهذه رسالة أبعثها لكل مسلم ومسلمة ..رسالة أخاطب فيها أصحاب الضمائر الحية ..وأحادث بها من يملكون قلوباً مرهفة ..ففقدوا الأنانية من قلوبهم ..وأصبحوا يشعرون بمصاب الأمة في شرقها وغربها ..تأثر فيهم آلمهم ..وتجرح قلوبهم مصائبهم ..وتدمع عيونهم لأحزانهم ..هذه القلوب ..وتلك الضمائر الحية ..دائماً كانت تبحث عن السبل لنصرة هؤلاء الضعفاء ..والوقوف معهم ومحاولة التخفيف من آلمهم وجراحهم ..وكانت دائماً تقف العقبات الصعبة أمامهم ..ولكن هو الفرج قد لاح ..والليل قد آذن بالرحيل والفجر قد انبلج ..فهاهو السلاح الجديد القديم ..الذي يمكن من خلاله القضاء على قوة عدونا ..ونصرة إخواننا ..دون أن نخسر شيئا ..إنه سلاح المقاطعة الاقتصادية ..ولعلي أوقف قلمي حتى لا أطيل عليك ..وأدعك مع هذه الرسالة المختصرة والتي ركزت فيها على مشروعية المقاطعة وأثرها الكبير على العدو ، وقد جعلت هذا البحث على نحو مما يلي :
المبحث الأول : مشروعية المقاطعة الاقتصادية .
المبحث الثاني : برنامج مقترح للمقاطعة الاقتصادية .
المبحث الثالث : حقائق وأرقام
المبحث الرابع : ثمرات المقاطعة الاقتصادية .
المبحث الخامس : فتاوى العلماء في حكم المقاطعة الاقتصادية .
فنسأل الله تعالى أن ينفع بها وأن يجعلها حجة لنا لا علينا.. والله أعلم ،،
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
المبحث الأول : مشروعية المقاطعة الاقتصادية .
من خلال النظر في عمومات النصوص الشرعية يتبين مشروعية ما يسمى بالمقاطعة الاقتصادية ، فمن تلك النصوص :
أولاً : ما جاء في القرآن الكريم :
الدليل الأول : قال الله تعالى :{ ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطئون موطأ يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين. ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون وادياً إلا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون}
والشاهد من الآية في موضعين :
الأول : في قوله تعالى : { ولا يطئون موطأ يغيظ الكفار } ولا شك أن المقاطعة من المواطن التي تغيض الكفار وهم الآن قد أظهروا تبرمهم من القدر الذي حصل في المقاطعة فمن ذلك ما قالته السفارة الأمريكية في الرياض إن ضعف الإقبال على شراء السلع الأمريكية أمر باعث على القلق..
وقال مدير المكتب التجاري في السفارة الأمريكية: "إن انخفاض الإقبال على السلع الأمريكية كبير جدا. نعم، ونحن نشعر بالقلق من ذلك.ولكن ليس بإمكاننا أن نحدد تأثير ذلك بدون دراسة مفصلة."
والثاني : قوله تعالى :{ ولا ينالون من عدو نيلا } سواء كان هذا النيل نيلاً عسكرياً أو سياسياً أو اقتصادياً أو إعلامياً ، فإنه يؤجر عليه المرء كما قال سبحانه : { إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين}.
الدليل الثاني : يقول الله تعالى :{ والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين }[العنكبوت: 69]قال أبو سليمان الدارني رحمه الله : ( ليس الجهاد في الآية قتال الكفار فقط بل هو نصر الدين والرد على المبطلين وقمع الظالمين و الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومنه مجاهدة النفوس في طاعة الله )[1] ومن نصرة الدين استخدام المقاطعة وسيلة للضرب على اقتصاد العدو الحاقد .
الدليل الثالث : قال تعالى :{ وجاهدوا في الله حق جهاده } أي جاهدوا لإقامة دينكم حق الجهاد ، باستفراغ الطاقة فيه ، ومن أنواع الجهاد استعمال المقاطعة الاقتصادية لانهاك اقتصاد العدو المتربص.
الدليل الرابع : قال تعالى :{ وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان } ومن التعاون بين أهل الإسلام امتناعهم من الشراء لبضائع الأعداء بل يعد الشراء منهم تعاون على الإثم والعدوان لأنه من خلال هذه الأموال التي ندفعها لهم يسفكون بها دماء المسلمين ، ويدعمون بها عدونا من إخوان القردة والخنازير .
أما من السنة :
فإنه لا يخفى أن من الأساليب الجهادية التي استخدمها الرسول r لم مع الأعداء بهدف إضعافهم أسلوب الحصار الاقتصادي وهو ما يسمى اليوم بالمقاطعة الاقتصادية ، ومن الأمثلة على أسلوب حصار النبي r الاقتصادي ما يلي :
1 ـ طلائع حركة الجهاد الأولى وذلك أن أوائل السرايا التي بعثها الرسول r والغزوات الأولى التي قادها r كانت تستهدف تهديد طريق تجارة قريش إلى الشام شمالا و إلى اليمن جنوبا،وهي ضربة خطيرة لاقتصاد مكة التجاري قُصد منه إضعافها اقتصاديا .
2 ـ قصة محاصرة يهود بني النضير وهي مذكورة في صحيح مسلم : انهم لما نقضوا العهد حاصرهم الرسول r وقطع نخيلهم وحرقه فأرسلوا إليه انهم سوف يخرجون فهزمهم بالحرب الاقتصادية وفيها نزل قوله تعالى ( ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزى الفاسقين ). فكانت المحاصرة وإتلاف مزارعهم ونخيلهم التي هي عصب قوة اقتصادهم من أعظم وسائل الضغط عليهم وهزيمتهم وإجلائهم من المدينة .
3 ـ قصة حصار الطائف بعد فتح مكة وأصل قصتهم ذكرها البخاري في المغازي ومسلم في الجهاد وفصّل قصتهم ابن القيم في زاد المعاد وذكرها ابن سعد في الطبقات 2/158 ، قال : فحاصرهم الرسول صلى الله عليه وسلم وأمر بقطع أعناب ثقيف وتحريقها فوقع المسلمون فيها يقطعون قطعا ذريعا ، قال ابن القيم في فوائد ذلك : وفيه جواز قطع شجر الكفار إذا كان ذلك يضعفهم ويغيظهم وهو أنكى فيهم .
4 ـ قصة المقاطعة الاقتصادية للصحابي ثمامة بن أثال الحنفي رضي الله عنه ،وقصته كانت قبل فتح مكة لما أسلم ثم قدم مكة معتمرا وبعد عمرته أعلن المقاطعة الاقتصادية لقريش قائلا : لا والله لا تأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ( وكانت اليمامة ريف مكة ) ثم خرج إلى اليمامة فمنع قومه أن يحملوا إلى مكة شيئا حتى جهدت قريش ، وقد أقره الرسول صلى الله عليه وسلم على هذه المقاطعة الاقتصادية وهي من مناقبه رضي الله عنه.
5 ـ قصة أبو بصير رضي الله عنه فقد كان رضي الله عنه يتربص بقوافل قريش وتجارتهم ، وقد أعد له فرقة من المسلمين المستضعفين في مكة فجمعهم ، فوالله لا يسمعون بعير لقريش خرجت إلى الشام إلا اعترضوا لها فقتلوهم وأخذوا أموالهم حتى ضاقوا به ذرعاً ، واشتد الحال عليهم فأرسلت قريش إلى النبي r تناشده الله والرحم لما أرسل إليهم فمن أتاه فهو آمن .
وهذه الحوادث و أمثالها تشريع من الرسول r لأصل من الأصول الجهادية في مجاهدة الكفار في كل زمان ومكان.
ومن الأدلة كذلك :
1 ـ قوله r " جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم" فالنبي r يأمر هنا بمجاهد المشركين بالمال ، ومن المجاهدة بالمال عدم استخدامه فيما ينفع العدو ، وشراء منتجاتهم لاشك أنه يدعمهم ويقوي شوكتهم فمن الجهاد عدم الشراء من بضائعهم .
شبهة والرد عليها : إن بعض القلوب قد يعتريها خوف ووجل من الفاقة والفقر إذا حصلت المقاطعة لهذه البضائع الأمريكية وإلى هؤلاء نقول لهم كما قال الله تعالى :{يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وإن خفتم عيلة فسوف يغنيم الله من فضله إن شاء إن الله عليم حكيم }
ففي الآية رد على الذين تخوفوا من مقاطعة المشركين ومنعهم من الدخول للمسجد الحرام أنه ربما قطعوا تجارتهم مما قد يؤدي إلى فقر المسلمين ،
فقال الله تعالى مبين لهم ولنا حقيقة يجب أن نعيها جيدا { وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء } فهل تطمئن نفوس أقلقتها مقاطعة بضائع الأعداء لموعود الله تعالى وبأن الله تعالى هو الرزاق ذو القوة المتين .
المبحث الثاني : برنامج مقترح للمقاطعة الاقتصادية .
أخي المسلم : إن سلاح المقاطعة سلاح لا يستطيع أحد أن يسيطر عليه ..فنحن أحرار في اختيار الأشياء التي نشتريها ، فهل يبقى لأحد عذر في التخلي عن المشاركة في هذا السلاح الفعال ؟!!خاصة وأن هذا السلاح يعتمد على الترك وليس على الفعل ، وهذا أسهل في الامتثال .
إذن لابد من طرح برنامج متكامل للمقاطعة بحيث توظف فيه كل طاقات الأمة وقدراتها وهو مشروع يحتاج إلى تعاون واستشعار المسؤولية وأن المشارك فيه لا يقل أهمية وأثراً من المقاتل على خط النار .
وينبغي أن يشارك فيه كل فئات المجتمع ..كل من موقعه ..وبحسب إمكاناته ، بحيث يكون المشروع متدرج وعلى مراحل يرتقي في المقاطعة وتتسع دائرة السلع المقاطعة ،
ويمكن أن نقترح الخطوات التالية :
أولاً : نشر التأصيل الشرعي الذي يؤكد مشروعية المقاطعة ، وأنها أول مراحل التفاعل على قضايانا سواء في فلسطين أو أفغانستان أو غيرها .
ثانيا: تعميم القناعة بجدوى المقاطعة ورصد الآثار الإيجابية المترتبة عليها ونشرها تباعاً .
ثالثاً : وضع آليات لتوثيق السلع المدرجة في المقاطعة وتوسيع دائرة نشرها .
رابعاً : إيجاد أسواق تنضبط بالمقاطعة وترفع شعار { لا للبضائع الأمريكية والإسرائيلية } ودعوة الناس إلى دعمها حتى تتسع دائرتها .
خامساً : طرح البدائل بقوة والتوعية بأهمية الاستغناء عن المنتجات الأمريكية خاصة مع توفر البدائل .
سادساً : استمرار حملة المقاطعة ، وتجديد نشاطها من خلال فعاليات وحوافز وتغطية إعلامية مناسبة ، مثل جائزة لأفضل محل في المقاطعة ، جائزة لأنجح مستهلك مقاطع للمنتوجات الأمريكية ،توزيع الكتب والأشرطة التي تتحدث عن الموضوع وطباعة الملصقات الصغيرة وهكذا .
سابعاً : تكوين لجنة من العلماء والوجهاء ورجال الأعمال لتبني المشروع ودعمه مادياً ومعنوياً وإعلامياً .
ثامناً : منح المحلات التجارية شهادات تقديرية تبين درجة المحل في المقاطعة ـ ذهبية ـ فضية ـ برونزية ..بحيث يرتقي في مستويات المقاطعة .
تاسعاً : إيجاد مواقع على شبكة الإنترنت لمتابعة إنجازات المقاطعة ونشر الجديد واستقبال الأفكار حول المقاطعة ، وقد وجد على حسب علمي مواقع كثيرة تتحدث عن المقاطعة ولكن نحتاج إلى فرزها والبحث عن أجودها ومن ثم التواصل معه للهدف المنشود .
عاشراً : مراسلة رجال الأعمال الذين يتعاملون مع أمريكا ومطالبتهم بالمقاطعة قبل الدعوة إلى مقاطعة منتجاتهم ومحلاتهم .
الحادي عشر : الدعوة إلى سحب الأرصدة والاستثمارات الموجودة في أمريكا.
الثاني عشر : مقاطعة البنوك الأمريكية ، وعدم قبول أي شيك على بنك أمريكي .
الثالث عشر : دعوة الكوادر المسلمة للمشاركة في المقاطعة ، كل في مجاله ..فلإعلامي من خلال قناته الإعلامية ، والمعلم من خلال مدرسته ، والطبيب من خلال عيادته ، والصيدلي من خلال صيدليته والخطيب من خلال منبره ، والتاجر من خلال متجره ..وهكذا يتحرك الجميع لهذه القضية المهمة ، يقول الدكتور جون ديوك أنطوني، رئيس المجلس القومي حول العلاقات الأميركية العربية، إن السياسة الأميركية تغفل الضرر الذي يحصل لصورة البضائع الأميركية في عيون المستهلكين. وأضاف أنهم "يفشلون في الأخذ بعين الاعتبار الأثر بعيد المدى الذي سيحدثه ذلك على الأطفال الذين سيشترون بضائع في المستقبل، ولكنهم تعلموا في المدارس أن الإقبال على البضائع الأميركية أمر خاطئ". فهل ندرك نحن ذلك الأثر ؟!!







]
رد مع اقتباس








المفضلات